هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحِّد. فالمشرك بمنزلة عبدٍ يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحُّون١، والرجل الشَّكِس: الضيِّق الخُلُق٢. فالمشرك لما كان يعبد آلهةً شتَّى شُبِّه بعبدٍ يملكه جماعة متنافسون٣ في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين. والموحِّد لما كان يعبد الله وحده فمثلُه كمثل عبدٍ لرجل واحد، قد سلِمَ له، وعلِم مقاصدَه، وعرفَ الطريقَ إلى رضاه، فهو في راحةٍ من تشاحُن٤ الخلطاء فيه. بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتولِّيه لمصالحه. فهل يستوي هذان العبدان؟
وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحقُّ من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقُّ صاحبُ الشركاء
(١) ع، ف: "متشاحنون"، وكذا في المطبوع. والصواب ما أثبت من غيرهما، وكذا في الطبعات القديمة. في "زاد المسير" (٤/ ١٧) ــ وهو مصدر المصنف ــ عن ابن قتيبة، قال في تفسير "متشاكسون": "أي مختلفون، يتنازعون ويتشاحُّون فيه". انظر: "غريب القرآن" له (ص ٣٨٣).
(٢) نقله في "زاد المسير" عن اليزيدي. وانظر "غريب القرآن" له (ص ٣٢٦).
(٣) ع: "متشاكسون".
(٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، ولعله مصحف عن "تشاكس" كما في "زاد المسير"، فالمصنف صادر عنه، ورسم الكلمة يحتمله. ويجوز: "تشاحّ".
فتضمَّن مثلُ الكفار أن الكافر يعاقَب على كفره وعداوته لله ورسوله وأوليائه، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لُحْمةِ نسب، أو وُصْلةِ صهر، أو سبب من أسباب الاتصال؛ فإنّ الأسباب كلَّها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلًا بالله وحده على يد رسوله٢. فلو نفعت وُصْلةُ القرابة أو المصاهرة٣ أو النكاح مع عدم الإيمان لنفعت الوصلة التي كانت بين نوح ولوط وامرأتيهما. فلما لم يُغنيا عنهما من الله شيئًا، وقيل٤ ادخلا