إعلام الموقعين

فصل

وأما المثلان اللذان للمؤمنين، فأحدهما امرأة فرعون. ووجه المثل أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضرُّه شيئًا إذا فارقه في كفره وعمله، فمعصيةُ العاصي١ لا تضرُّ المطيعَ٢ شيئًا في الآخرة، وإن تضرَّر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحِلُّ بأهل الأرض إذا أضاعوا أمرَ الله، فتأتي عامّةً. فلم يضُرَّ امرأةَ فرعون اتصالُها به، وهو من أكفر الكافرين. ولم ينفع امرأةَ٣ نوحٍ ولوطٍ اتصالُهما بهما وهما رسولا ربِّ العالمين. المثل الثاني للمؤمنين: مريم التي لا زوج لها، لا مؤمن ولا كافر.

فذكر ثلاثة أصناف النساء٤: [١١٢/أ] المرأة الكافرة التي لها وُصْلة بالرجل الصالح، والمرأة الصالحة التي لها وُصْلة بالرجل الكافر، والمرأةُ العَزَب٥ التي لا وصلة بينها وبين أحد. فالأولى لا ينفعها٦ وصلتها وسببها، والثانية لا يضرُّها وصلتها وسببها، والثالثة لا يضرُّها عدمُ الوصلة شيئًا.

  1. (١) ت، ف: "فمعصية الغير"، وكانت الكلمة ساقطة من ح، فاستدرك بعضهم في طرتها: "الغير". وما أثبته من ع أقعد في السياق.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "المؤمن المطيع"، فزيد فيها لفظ "المؤمن".
  3. (٣) كذا بالإفراد في النسخ الخطية والمطبوعة جميعًا، وستأتي هكذا مرة أخرى.
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: "من النساء"، ولعل زيادة "من" من تصرُّف بعض النساخ أو الناشرين.
  5. (٥) في المطبوع: "العزبة"، وتعليق المحقق يدل على ورودها في النسخ الخطية، وأنا أشك في ذلك.
  6. (٦) كذا "ينفعها" في النسخ، ثم "يضرُّها" أيضًا بتذكير الفعل، وهو صحيح. وقد أهمل الفعلان في ع. وفي النسخ المطبوعة بالتأنيث.
376

ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة. فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي ﷺ، والتحذير من تظاهُرهنَّ عليه، وأنهن إن لم يُطِعن الله ورسوله ويُرِدن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالُهن برسول الله ﷺ، كما لم ينفع امرأةَ نوحٍ ولوطٍ اتصالُهما بهما. ولهذا إنما ضرب في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة.

قال يحيى بن سلام١: ضرب الله المثل الأول يحذِّر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرِّضُهما على التمسُّك بالطاعة.

وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضًا اعتبار آخر، وهو أنها لم يضُرَّها عند الله شيئًا قذفُ أعداء الله اليهود لها، ونسبتُهم إياها وابنها إلى ما برَّأهما الله عنه، مع كونها الصدِّيقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين؛ فلا يضرُّ الرجلَ الصالحَ قدح الفجّار والفسّاق فيه.

وفي هذا تسليةٌ لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك، وتوطينُ نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبلها؛ كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط [١١٢/ب] تحذيرٌ لها ولحفصة مما اعتمدتاه في حقِّ النبي ﷺ. فتضمَّنت هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف، والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد، والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكُذِب عليه. وأسرارُ التنزيل فوق هذا وأجلُّ منه، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون.

  1. (١) انظر مختصر تفسيره لابن أبي زمنين (٥/ ١٠ - ١١)، والمصنف صادر عن "زاد المسير" (٤/ ٣١٢).
377

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي