وبالجملة، فما تقدَّم من أمثال القرآن كلُّها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها. وكذلك مَن فهم القرآن فإنه يعبِّر به الرؤيا أحسنَ تعبير.
وأصول التعبير الصحيحة إنما أُخِذت من مشكاة القرآن. فالسفينة تعبَّر بالنجاة لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾[العنكبوت: ١٥]، وتعبَّر بالتجارة، والخشب بالمنافقين، والحجارة بقساوة القلوب١، والبَيض بالنساء، واللباس أيضًا بهن، وشرب الماء بالفتنة، وأكلُ لحم الرجل بغيبته، والمفاتيح بالكسب والخزائن والأموال٢. والفتح يعبَّر مرة بالدعاء ومرة بالنصر. وكالمَلِك يُرَى في محلَّةٍ لا عادة له بدخولها يعبَّر بإذلال أهلها وفسادها. والحبلُ يعبَّر بالعهد والحقِّ والعصمة٣. والنعاس قد يعبَّر بالأمن. والبقل والبصل والثوم والعدس [١١٥/أ] يعبَّر لمن أخذه بأنه قد استبدل شيئًا أدنى بما هو خير منه من مال أو رزق أو علم أو زوجة أو دار. والمرض يعبَّر بالنفاق والشك وشهوة الزِّنا٤، والطفل الرضيع يعبَّر بالعدو لقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾[القصص: ٨]، والنِّعاج بالنساء٥، والرماد بالعمل الباطل لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
(١) في النسخ المطبوعة: "القلب".
(٢) ت: "والأموال والخزائن".
(٣) س، ت، ع: "العضد"، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) في النسخ المطبوعة: "الرياء"، تصحيف.
(٥) ت: "والنكاح بالبناء"، وفي س، ع: "والنكاح بالنساء". والصواب ما أثبت من ح، ف.
ومن هاهنا قال عمر بن الخطاب لحابس بن سعد الطائي، وقد ولّاه القضاء، فقال له٢: رأيتُ الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم بينهما نصفين. فقال٣: مع أيهما كنتَ؟ قال: مع القمر على الشمس. قال: كنتَ مع الآية الممحوَّة. اذهَبْ، فلست تعمَل لي عملًا، ولا تُقتَل إلا في لَبْسٍ من الأمر. فقُتِل يوم صِفِّين٤.
(١) في المطبوع زيادة: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾.
(٢) في النسخ المطبوعة زيادة: "يا أمير المؤمنين إني".
(٣) زيد هنا أيضًا في النسخ المطبوعة: "عمر".
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الإشراف" (٢٥٥)، وأبو يعلى [كما في "مسند الفاروق" لابن كثير (٢/ ٤٤١)]ــ ومن طريقهما ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (٦٨/ ١٠٣ - ١٠٤، ١٠٤) ــ من رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن عمر، وسندُه ضعيفٌ منقطع، وفي متنه بعضُ غرابة ونكارة، وانظر: "تاريخ مدينة دمشق" لابن عساكر (٦٨/ ١٠٥). ورواه ابن أبي شيبة (٣١١٤٥، ٣٩٠١٩)، ويحيى بن سليمان الجعفي في "كتاب صِفِّين" ــ ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (٦٨/ ١٠٤ - ١٠٥) ــ عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب: حدثني غير واحد: فذكره! وحماد وابن فضيل سمعا من عطاء بعد اختلاطه. وقد رُوي وجهٌ غريبٌ جدًّا، علّقه ابن عساكر (٦٨/ ١٠٥) من طريق مصبح بن (الهلقام) العجلي، عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، عن عمر، وهو ــ على انقطاعه ــ منكرٌ لا يصح. وأشار ابن عساكر (٦٨/ ١٠٥) إلى أنه رُوي أيضًا من وجه آخر عن الحسن البصري. ورواه أبو العرب القيرواني في "المحن" (ص ١١٦) من رواية شيخٍ من طيّءٍ، وسنده ضعيف منقطع أو معضل.