حقَّ قدرها. وكيف يظن بالشريعة أنها تُبيح شيئًا لحاجةِ المكلَّف إليه ومصلحته، ثم تحرِّم ما هو أحوج إليه، والمصلحة في إباحته أظهر؟ هذا١ من أمحَل المُحال٢.
ولذلك كان من المستحيل أن يشرع الله ورسوله من الحِيَل ما يُسقِط به ما أوجبه، أو يُبيح به ما حرَّمه، ولعَن٣ فاعله، وآذَنه بحربه وحرب رسوله، وشدَّد فيه الوعيد، لما تضمَّنه من المفسدة في الدنيا والدين؛ ثم بعد ذلك يسوِّغ التحيُّلَ عليه٤ بأدنى حيلة. ولو أن المريض اعتمد هذا فيما يحميه منه الطبيب ويمنعه منه لكان معينًا على نفسه، ساعيًا في ضرره، وعُدَّ سفيهًا مفرطًا.
وقد فطر الله سبحانه عباده على أن حكمَ النظير حكمُ نظيره، وحكمَ الشيء حكمُ مثله، وعلى إنكار التفريق بين المتماثلين، وعلى إنكار الجمع بين المختلفين. والعقل والميزان الذي أنزله الله سبحانه شرعًا وقدرًا يأبى ذلك.
(١) في النسخ المطبوعة: "وهذا".
(٢) الميم في "المحال" زائدة، ولكن هكذا صاغ منه الناس اسم التفضيل "أمحل" على اللفظ، فقالوا: "أمحل من الترهات"، و"أمحل من حديث خرافة". انظر: "الدرة الفاخرة" (٢/ ٣٨٩) لحمزة بن حسن الأصبهاني.
(٣) في النسخ كلها: "أمر"، وفي ت وحدها ضرب عليه في المتن وكتب في الطرة: "لعن". وجائز أن يكون ما في النسخ تحريفًا أو يكون من سبق القلم.
(٤) هكذا في س. وفي غيرها: "إليه". وفي النسخ المطبوعة: "التوصل"، ولعله تصرف من بعض الناشرين.
ولذلك كان الجزاء مماثلًا للعمل من جنسه في الخير والشر١. فـ"مَن ستَر مسلمًا ستَره الله، ومن يسَّر على مُعْسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفَّس عن مؤمن كربةً من كُرَب الدنيا نفَّس الله عنه كربةً مِن كُرَبِ يوم القيامة"٢. و"من أقال نادمًا أقاله الله عثرتَه يوم القيامة"٣، و"من تتبَّع عورةَ أخيه تتبَّع الله عورتَه"٤، و"من ضارَّ مسلمًا ضارَّ الله به، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه"٥، و"من
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة. وانظر حديث ابن عمر في البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠).
(٣) رواه البزار (٨٩٦٧)، والطحاوي في "بيان المشكل" (٥٢٩١) من حديث أبي هريرة مرفوعا، وصححه ابن حبان (٦٥٣). وانظر: "الضعفاء" للعقيلي (١/ ٣١٥)، و"العلل" للدارقطني (٨/ ٢٠٥). ورواه أبو داود في "المراسيل" (١٧٣) من حديث ابن جريج عن هارون بن أبي عائشة مرسلا بمعناه، وقال: رُوي متصلا، ولا يصح. وفي الباب أسانيد أخرى، يطول المقام بسردها.
(٤) رواه الترمذي (٢٠٣٢) من حديث ابن عمر مرفوعا، وحسنه، وصححه ابن حبان (١٨٧٤)، ورواه أحمد (١٩٧٧٦، ١٩٨٠١)، وأبو داود (٤٨٨٠) من حديث أبي برزة الأسلمي، وأحمد (٢٢٤٠٢) من حديث ثوبان، ورواه أبو يعلى في "المسند" (١٦٧٥)، والروياني في "المسند" (٣٠٥) من حديث البراء، وفي الباب طرق أخرى، والحديث قوي. وانظر: "الإتحاف بتخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٦) ..
(٥) رواه أحمد (١٥٧٥٥)، وأبو داود (٣٦٣٥)، والترمذي (١٩٤٠) ــ وحسنه ــ، وابن ماجه (٢٣٤٢)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق" (٥٨٣) ــ ولفظة "مسلمًا" منه ــ من حديث لؤلؤة، عن أبي صرمة مرفوعا، ولؤلؤة مجهولة، وله شاهد من حديث أبي سعيد مرفوعا، صححه الحاكم (٢/ ٥٧ - ٥٨) على شرط مسلم! والمحفوظ إرساله بلفظ: "لاضرر ولا ضرار"، كما تراه في "الموطأ" للإمام مالك (٢٧٥٨).