قال: "ولعل هذا عِرقٌ نزَعه"، ولم يرخِّص له في الانتفاء منه١. ومن تراجم البخاري على هذا الحديث: "باب مَن شبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبيَّن قد بيَّن الله حكمَهما، لِيُفهِمَ السائلَ".
ثم ذكر بعده٢ حديث ابن عباس: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت: إنّ أمِّي نذرت أن تحُجَّ، فماتت قبل أن تحُجَّ، أفأحجُّ عنها؟ قال: "نعم، حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمكِ دَينٌ أكنتِ قاضيتَه؟ ". قالت: نعم. فقال: "اقضُوا الله، فإنَّ الله أحقُّ بالوفاء".
وهذا الذي ترجمه البخاري هو فصلُ النزاع في القياس، لا كما يقوله [١١٩/أ] المُفْرِطون فيه ولا المفرِّطون. فإنَّ الناس فيه طرفان ووسط، فأحدُ الطرفين مَن ينفي العلل والمعاني والأوصاف المؤثِّرة، ويجوِّز ورودَ الشريعة بالفرق بين المتساويين والجمع بين المختلفين، ولا يثبت أن الله سبحانه شرَع الأحكام لعلل ومصالح، وربَطَها بأوصاف مؤثِّرةٍ فيها مقتضيةٍ لها طردًا وعكسًا؛ وأنه قد يوجب٣ الشيءَ ويحرِّم نظيرَه من كلِّ وجه، ويحرِّم الشيءَ ويُبيح نظيرَه من كلِّ وجه، وينهى عن الشيء لا لمفسدة فيه، ويأمر به لا لمصلحة بل لمحض المشيئة المجرَّدة عن الحكمة والمصلحة.
وبإزاء هؤلاء قومٌ أفرطوا فيه، وتوسَّعوا جدًّا، وجمعوا بين الشيئين اللذين فرَّق الله بينهما بأدنى جامع من شَبَهٍ أو طردٍ أو وصفٍ يتخيَّلونه علَّةً يمكن أن يكون علَّته وأن لا يكون، فيجعلونه هو السبب الذي علَّق الله
(١) أخرجه البخاري (٧٣١٤) ومسلم (١٥٠٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) برقم (٧٣١٥).
(٣) يعني: ويجوِّز الطرف المذكور أن الله سبحانه قد يوجب ...
ورسوله عليه الحكمَ بالخَرْص والظن. وهذا هو الذي أجمع السلف على ذمِّه كما سيأتي إن شاء الله.
والمقصود: أنّ النبيَّ ﷺ يذكر في الأحكام العِلَل والأوصاف المؤثِّرة فيها طردًا وعكسًا كقوله للمستحاضة التي سألته: هل تدع الصلاة زمنَ استحاضتها؟ فقال: "لا، إنما ذلك عِرْق، وليس بالحيضة"١. فأمرها أن تصلِّيَ مع هذا٢ الدم، وعلَّل بأنه دمُ عِرْق، وليس بدم حيض. وهذا قياس يتضمَّن الجمع والفرق.
فإن قيل: فشرطُ صحةِ القياس ذكرُ الأصلِ المقيس عليه، ولم يذكر في الحديث.
قيل: هذا من حسن الاختصار، والاستغناء بالوصف الذي يستلزم ذكرَ [١١٩/ب] الأصل المقيس عليه؛ فإن المتكلِّم قد يعلِّل بعلَّة يغني ذكرُها عن ذكر الأصل، ويكون تركُه لذكر الأصل أبلغَ من ذكره، فيعرف السامع الأصلَ حين يسمع ذكر العلة، فلا يشكل عليه. ورسول الله ﷺ حين علَّل عدمَ وجوبِ٣ الصلاة مع هذا الدم بأنه عِرْقٌ صار الأصل الذي يُردّ إليه هذا الكلام معلومًا، فإن كلَّ سامعٍ سمِع هذا يفهم منه أنّ دمَ العِرْق لا يوجب ترك الصلاة. ولو قال: "هو عِرْق، فلا يوجب تركَ الصلاة كسائر دم العروق" لكان عِيًّا، وعُدَّ من الكلام الركيك، ولم يكن لائقًا بفصاحته. وإنما يليق هذا بعَجْرفة المتأخرين وتكلُّفهم وتطويلهم.
(١) أخرجه البخاري (٢٢٨) ومسلم (٣٣٣) من حديث عائشة أم المؤمنين.
(٢) لم يرد "هذا" في ح، ف.
(٣) كذا في النسخ، وهو سهوٌ. ومقتضى السياق: "عدم سقوط الصلاة".