ورسوله عليه الحكمَ بالخَرْص والظن. وهذا هو الذي أجمع السلف على ذمِّه كما سيأتي إن شاء الله.
والمقصود: أنّ النبيَّ ﷺ يذكر في الأحكام العِلَل والأوصاف المؤثِّرة فيها طردًا وعكسًا كقوله للمستحاضة التي سألته: هل تدع الصلاة زمنَ استحاضتها؟ فقال: "لا، إنما ذلك عِرْق، وليس بالحيضة"١. فأمرها أن تصلِّيَ مع هذا٢ الدم، وعلَّل بأنه دمُ عِرْق، وليس بدم حيض. وهذا قياس يتضمَّن الجمع والفرق.
فإن قيل: فشرطُ صحةِ القياس ذكرُ الأصلِ المقيس عليه، ولم يذكر في الحديث.
قيل: هذا من حسن الاختصار، والاستغناء بالوصف الذي يستلزم ذكرَ [١١٩/ب] الأصل المقيس عليه؛ فإن المتكلِّم قد يعلِّل بعلَّة يغني ذكرُها عن ذكر الأصل، ويكون تركُه لذكر الأصل أبلغَ من ذكره، فيعرف السامع الأصلَ حين يسمع ذكر العلة، فلا يشكل عليه. ورسول الله ﷺ حين علَّل عدمَ وجوبِ٣ الصلاة مع هذا الدم بأنه عِرْقٌ صار الأصل الذي يُردّ إليه هذا الكلام معلومًا، فإن كلَّ سامعٍ سمِع هذا يفهم منه أنّ دمَ العِرْق لا يوجب ترك الصلاة. ولو قال: "هو عِرْق، فلا يوجب تركَ الصلاة كسائر دم العروق" لكان عِيًّا، وعُدَّ من الكلام الركيك، ولم يكن لائقًا بفصاحته. وإنما يليق هذا بعَجْرفة المتأخرين وتكلُّفهم وتطويلهم.
(١) أخرجه البخاري (٢٢٨) ومسلم (٣٣٣) من حديث عائشة أم المؤمنين.
(٢) لم يرد "هذا" في ح، ف.
(٣) كذا في النسخ، وهو سهوٌ. ومقتضى السياق: "عدم سقوط الصلاة".
ونظير هذا: قوله ﷺ لمن سأله عن مسِّ ذكره: "هل هو إلا بَضْعة منك؟ "١. فاستغنى بهذا عن تكلُّف قوله: كسائر البَضَعات.
ومن ذلك: قوله ﷺ للمرأة التي سألته: هل على المرأة من غُسْل إذا هي احتلمت؟ فقال: "نعم". فقالت أمُّ سُلَيم: أوَتحتلم المرأة يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "إنما النساء شقائق الرجال"٢. فبيَّن أن النساء والرجال شقيقان ونظيران، لا يتفاوتان ولا يتباينان في ذلك. وهذا يدل على أن من المعلوم الثابت في فِطَرهم أنَّ حكمَ الشقيقين والنظيرين حكم واحد، سواء كان ذلك تعليلًا منه ﷺ للقدر أو للشرع أو لهما؛ فهو دليل على تساوي الشقيقين، وتشابُهِ القرينين، وإعطاءِ أحدهما حكمَ الآخر.
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) رواه أحمد (٢٧١١٨) من حديث أم سليم، وسنده ضعيف منقطع، وله شاهد من حديث عائشة رواه أحمد (٢٦١٩٥)، وأبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣)، وأصله عند ابن ماجه (٦١٢). وفي سنده عبد الله العمري، وهو ضعيف، وقد أغرب جدّا بروايته إياه بذاك السند الرفيع عن أخيه عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة! ولذلك استنكره الإمام أحمد، كما في "فتح الباري" لابن رجب (١/ ٣٤٢). ورواه الدارمي (٧٩١)، والبزار (٦٤١٨)، وأبو عوانة (٨٣٢) من حديث أنس مرفوعًا. وصححه عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (١/ ١٩٢)، وتبعه ابن القطان الفاسي في "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ٢٩٩، ٥/ ٢٧٠ - ٢٧١). والصواب أنه من مناكير محمد بن كثير الصنعاني وأوابده التي رواها عن الأوزاعي. وليتَ عبد الحق مشى في "الأحكام الوسطى" على ما كان سطره في "الأحكام الشرعية الكبرى" (١/ ٤٩٨).