من أنفسهم، يُزْرُون١ على مَن سواهم. ويُعرَف الحقُّ بالمقايسة عند ذوي الألباب٢.
وقد رواه الخطيب وغيره مرفوعًا٣، ورفعه غير صحيح.
وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي ﷺ في كثير من الأحكام، ولم يعنِّفهم؛ كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلُّوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضُهم، وصلَّاها في الطريق، وقال [١٢١/أ]: لم يُرِد منَّا التأخير، وإنما أراد سرعةَ النهوض؛ فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون، وأخَّروها إلى بني قريظة، فصلَّوها ليلًا؛ نظروا إلى اللفظ. وهؤلاء٤ سلف أهل الظاهر.
(١) يعني: يعيبون على غيرهم. زرَى عليه فعلَه يزري زرايةً: عابه. وأزرى به: تهاونَ به. وأزرى عليه لغة قليلة.
(٢) لو ثبت أن أسد بن موسى روى هذا الخبر عن شعبة؛ لكان السند جيّدا، لكن الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى وجده مرويًّا من طريقه مرفوعا، واستنكره، واستظهر أنه في الأصل موقوفٌ، وتجوّز في إيراده على ذاك الوجه الغريب.
(٣) رواه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٧٦) من طريق أبي الفتح الأزدي، عن علي بن إبراهيم البلدي، عن أحمد بن محمد الكندي، عن أسد به مرفوعا. وهو منكر جدّا بهذا الإسناد، بل رفعُه باطلٌ بلا ريب، والظاهر أن آفته من البلدي، على أن في السند مغامز أخرى.
(٤) في المطبوع: "وأولئك".
وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس.
ولما كان عليٌّ باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، فقال كلٌّ منهم: هو ابني. فأقرع عليٌّ بينهم، فجعل الولدَ للقارع، وجعل عليه للرجلين ثلثي الدية. فبلغ ذلك١ النبيَّ ﷺ، فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي ﵁٢.
واجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة، وحكم فيهم باجتهاده، فصوَّبه النبي ﷺ، وقال: "لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات"٣.
واجتهد الصحابيان اللذان خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فصلَّيَا. ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يُعِد الآخر. فصوَّبهما، وقال للذي لم يُعِدْ: "أصبتَ السنّة، وأجزأتك صلاتك". وقال للآخر: "لك الأجر مرّتين"٤.
(١) "ذلك" ساقط من ع، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) رواه أحمد (١٩٣٢٩، ١٩٣٤٢، ١٩٣٤٤)، وأبو داود (٢٢٦٩، ٢٢٧٠)، وابن ماجه (٢٣٤٨)، والنسائي (٣٤٨٨ - ٣٤٩١) من حديث زيد بن أرقم به، وفي سنده اضطراب واختلاف، ورجّح النسائي رواية مرسلة رواها هو (٣٤٩٢)، وأبو داود (٢٢٧١). وسبقه إلى هذا الترجيح أبو حاتم، كما في "العلل" لابنه عبد الرحمن (١٢٠٤، ٢٣١٧). وانظر: "العلل" للدارقطني (٣/ ١١٧ - ١١٩). وسيأتي الكلام على الحديث بشيء من التفصيل. وقد أفاض القول أيضًا في طرق الحديث ووجه إلزام القارع بثلثي الدية في: "الطرق الحكمية" (٢/ ٥٩٢، ٥٩٨، ٦١٤ - ٦١٩). وانظر: "زاد المعاد" (٥/ ٣٨٥ - ٣٨٦) و"تهذيب السنن" (١/ ٥٦١ - ٥٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٠٤) ومسلم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري. واللفظ الوارد هنا وقع في "مسند الحارث". انظر: "بغية الباحث" (٦٩٣).
(٤) رواه أبو داود (٣٣٨)، والنسائي (٤٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا، وقال أبو داود: "وذِكْرُ أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ، هو مرسل". وأشار إلى ذلك النسائي حين أعقب الموصول بروايته إياه (٤٣٤) من مرسل عطاء بن يسار. وكذا صنع الدارقطني في "السنن" (٧٢٧، ٧٢٨)، والبيهقي (١/ ٢٣١). أما الحاكم، فصحّحه في "المستدرك" (١/ ١٧٨ - ١٧٩) على شرط الشيخين! مع حكايته الخلافَ في وصله وإرساله.