قال: فذكر شيئًا لا أحفظه، فجعل له الثلث. قال الثوري: وبلغني أنه قال: يا أمير المؤمنين، شجرةٌ نبتت، فانشعب منها غصن، فانشعب من الغصن غصنان، فما جعل الغصنَ الأول أولى من الغصن الثاني، وقد خرج الغصنان من الغصن الأول؟ قال: ثم سأل عليًّا، فضرب له مثلًا واديًا سال فيه سيل، فجعله أخًا فيما بينه وبين ستة، فأعطاه السدس. وبلغني أنّ عليًّا حين سأله عمر جعله سيلًا. قال: فانشعب منه شعبة، ثم انشعبت شعبتان، فقال: أرأيت لو أن هذه الشعبة الوسطى تَيْبَس أما كان يرجع١
إلى الشعبتين جميعا؟ قال الشعبي: فكان زيد يجعله أخًا حتى يبلغ ثلاثةً هو ثالثهم، فإن زادوا على ذلك أعطاه الثلث. وكان علي يجعله أخًا ما بينه وبين ستة وهو سادسهم، ويعطيه السدس. [١٢٦/ب] فإن زادوا على ستة أعطاه السدس، وصار ما بقي بينهم.
وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه أن عمر بن الخطاب لما استشار في ميراث الجدِّ والإخوة قال زيد: وكان رأيي يومئذ أن الإخوة أحقُّ بميراث أخيهم من الجدِّ، وعمر بن الخطاب يرى يومئذ أن الجدَّ أولى بميراث ابن ابنه من إخوته. فتحاورتُ أنا وعمر محاورة شديدة، فضربتُ له في ذلك مثلًا، فقلت: لو أنّ شجرةً تشعَّب من أصلها غصنٌ، ثم تشعَّب في ذلك الغصن خُوطان٢، ذلك الغصن يجمع الخُوطَين دون الأصل ويغذوهما. ألا ترى يا أمير المؤمنين أنَّ أحدَ
(١) يعني الماء. وفي النسخ المطبوعة: "كانت ترجع" ..
(٢) الخُوط: الغصن الناعم.
الخُوطين أقرب إلى أخيه منه إلى الأصل؟ قال زيد: فأنا أعيد له١، وأضرب له هذه الأمثال، وهو يأبى إلا أن الجدَّ أولى من الإخوة، ويقول: والله لو أني قضيتُه اليوم لبعضهم لقضيتُ به للجدِّ كلِّه، ولكن لعلِّي لا أخيِّب منهم أحدًا، ولعلهم أن يكونوا كلُّهم ذوي حقٍّ٢.
وضرب علي وابن عباس لعمر يومئذ مثلًا معناه: لو أنَّ سيلًا سال، فخَلَج منه خليج، ثم خلَج من ذلك الخليج شعبتان٣.
ورأيُ الصدِّيق أولى من هذا الرأي وأصحُّ في القياس، لعدَّة أوجه٤ ليس هذا موضع ذكرها والجوابِ عن هذه الأمثلة، إذ المقصود٥ أن الصحابة ﵃ كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر. ولا يُلتفت إلى مَن يقدح في كلِّ سند [١٢٧/أ] من هذه
(١) س: "أعدله". وفي غيرها من النسخ الخطية والمطبوعة: "أعذله" بالذال المعجمة، ولعل الصواب ما أثبت من "المحلَّى"، وفي مطبوعة "الإحكام": "أعبر له".
(٢) رواه ابن حزم في "الإحكام" (٧/ ١٧٠) و"المحلى" (٨/ ٣٢٠) من طريق إسماعيل به. ورواه أيضًا الحاكم (٤/ ٣٣٩)، والبيهقي (٦/ ٢٤٧). وانظر: "المسند" لابن وهب (١٧٦)، و"السنن" للدارقطني (٤١٤٠).
(٣) رواه ابن وهب في "المسند" (١٦٨)، والبيهقي (٦/ ٢٤٧).
(٤) س، ت، ع: "لعشرة أوجه"، وكذا في النسخ المطبوعة. وسيفرد المصنف مسألة ميراث الجد مع الإخوة بفصل طويل يذكر فيه عشرين وجهًا على صحة قول أبي بكر ﵁.
(٥) في المطبوع: "والجواب عن هذه الأمثلة: أن المقصود" وجعله بداية فقرة جديدة. وقد تابع طبعة الشيخ محمد محيي الدين. وهو خطأ مخلّ بالسياق ومفسِد للمعنى. وقد ورد النص في طبعة الشيخ عبد الرحمن الوكيل على الصواب.