الخُوطين أقرب إلى أخيه منه إلى الأصل؟ قال زيد: فأنا أعيد له١، وأضرب له هذه الأمثال، وهو يأبى إلا أن الجدَّ أولى من الإخوة، ويقول: والله لو أني قضيتُه اليوم لبعضهم لقضيتُ به للجدِّ كلِّه، ولكن لعلِّي لا أخيِّب منهم أحدًا، ولعلهم أن يكونوا كلُّهم ذوي حقٍّ٢.
وضرب علي وابن عباس لعمر يومئذ مثلًا معناه: لو أنَّ سيلًا سال، فخَلَج منه خليج، ثم خلَج من ذلك الخليج شعبتان٣.
ورأيُ الصدِّيق أولى من هذا الرأي وأصحُّ في القياس، لعدَّة أوجه٤ ليس هذا موضع ذكرها والجوابِ عن هذه الأمثلة، إذ المقصود٥ أن الصحابة ﵃ كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر. ولا يُلتفت إلى مَن يقدح في كلِّ سند [١٢٧/أ] من هذه
(١) س: "أعدله". وفي غيرها من النسخ الخطية والمطبوعة: "أعذله" بالذال المعجمة، ولعل الصواب ما أثبت من "المحلَّى"، وفي مطبوعة "الإحكام": "أعبر له".
(٢) رواه ابن حزم في "الإحكام" (٧/ ١٧٠) و"المحلى" (٨/ ٣٢٠) من طريق إسماعيل به. ورواه أيضًا الحاكم (٤/ ٣٣٩)، والبيهقي (٦/ ٢٤٧). وانظر: "المسند" لابن وهب (١٧٦)، و"السنن" للدارقطني (٤١٤٠).
(٣) رواه ابن وهب في "المسند" (١٦٨)، والبيهقي (٦/ ٢٤٧).
(٤) س، ت، ع: "لعشرة أوجه"، وكذا في النسخ المطبوعة. وسيفرد المصنف مسألة ميراث الجد مع الإخوة بفصل طويل يذكر فيه عشرين وجهًا على صحة قول أبي بكر ﵁.
(٥) في المطبوع: "والجواب عن هذه الأمثلة: أن المقصود" وجعله بداية فقرة جديدة. وقد تابع طبعة الشيخ محمد محيي الدين. وهو خطأ مخلّ بالسياق ومفسِد للمعنى. وقد ورد النص في طبعة الشيخ عبد الرحمن الوكيل على الصواب.
الأسانيد وأثر من هذا الآثار١، فهذه في تعددها واختلاف وجوهها وطُرقها جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا شكَّ٢ فيه، وإن لم يثبُت كلُّ فردٍ فردٍ٣ من الأخبار به.
وقال عبد الرزاق٤: ثنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو، قال: أخبرني حُيَيّ٥ بن يعلى بن أمية أنه سمع أباه يقول ــ وذكر قصة الذي قتلته امرأة أبيه وخليلها ــ: إنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليَّ أن اقتُلْهما، فلو اشترك فيه أهلُ صنعاء كلُّهم لقتلتُهم. قال ابن جريج: فأخبرني عبد الكريم وأبو بكر قالا جميعًا: إن عمر كان يشكُّ فيها حتى قال له عليٌّ: يا أمير المؤمنين أرأيتَ لو أن نفرًا اشتركوا في سرقةِ جَزُور، فأخذ هذا عضوًا وهذا عضوًا، أكنتَ قاطِعَهم؟ قال: نعم. قال: وذلك حين استخرج٦ له الرأي.
(١) يشير المصنف إلى ابن حزم. انظر: "المحلَّى" (٨/ ٣٢١ - ٣٢٢).
(٢) في المطبوع: "يشك" متابعة لطبعة الشيخ محمد محيي الدين. وفي طبعة الشيخ الوكيل كما أثبت من النسخ.
(٣) كلمة "فرد" وردت في المطبوع مرة واحدة.
(٤) في "المصنف" (١٨٠٧٧). ويُنظر "المصنف" لعبد الرزاق (١٨٠٧٣ - ١٨٠٧٦، ١٨٠٧٩)، و"المصنف" لابن أبي شيبة (٢٨٢٦٦ - ٢٨٢٦٨)، و"السنن الكبير" للبيهقي (٨/ ٤٠ - ٤١). وقال الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٢٢٧): وهذا الأثر موصول إلى عمر بأصح إسناد.
(٥) غيَّره بعضهم في ت إلى "يحيى". وفي "المصنَّف": "حي" بالتكبير، وكذا ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٧٤). أما بالتصغير كما في النسخ و"الإحكام" (٧/ ١٧٦) فهو المشهور، وكذا ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٧٤).
(٦) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي مطبوعة "الإحكام" وقع سقط بعد كلمة "حين". وفي "المصنف": "استمدح". ويظهر أن كليهما تصحيف "استهرج". وبهذا اللفظ أخرجه الخطابي في "غريب الحديث" (٢/ ٨٣ - ٨٤) بسنده عن عبد الرزاق. وقال في تفسيره: "أصله في الكلام: السعة والكثرة ... والمعنى: أن رأيه قد قوي في ذلك واتسع لوضوح الدلالة وقرب التمثيل". ولخَّص الهروي في "الغريبين" (٦/ ١٩٢٦) كلام الخطابي وقال: "أي قوي واتَّسع". وقال الزمخشري في "الفائق" (٤/ ١٠١): "أي اتسع وانفرج، من قولهم للفرس الواسع الجري: مِهْرَج وهرَّاج". ويؤكد ذلك أن الحافظ ابن حجر أيضًا أخرجه بسنده عن عبد الرزاق بهذا اللفظ في "موافقة الخُبر الخبر" (٢/ ٤٢٠) وقال: "يعني: وضح".