وقال١ عليٌّ٢ وزيد٣: هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود: طلقة واحدة٤.
وهذا من الاجتهاد والرأي.
فالصحابة٥﵃ مثَّلوا الوقائعَ بنظائرها، وشبَّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبيَّنوا لهم سبيله.
وهل يستريب عاقل في أن النبي ﷺ لما قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان"٦، إنما كان ذلك لأنَّ الغضب يشوِّش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويُعْمِي عليه طريقَ العلم والقصد؟ فمن قَصَر [١٢٩/ب] النهيَ على الغضب وحده، دون الهمِّ
(١) في النسخ المطبوعة بعده: "سيف الله علي"!
(٢) رواه عبد الرزاق (١١٣٨٠)، وابن أبي شيبة (١٨٤٨٦، ١٨٤٨٧). ورواه عبد الرزاق (١١٣٧٩) أيضًا بمعناه. ويُوَازَنُ بـ "المصنف" لعبد الرزاق (١١٣٨٣)، و"المصنف" ابن أبي شيبة (١٨٥٠٩).
(٣) رواه عبد الرزاق (١١٣٧٢)، وابن أبي شيبة (١٨٤٩٤، ١٨٤٩٥).
(٤) وازن بـ "المصنف" لعبد الرزاق (١١٣٦٦)، و"المصنف" لابن أبي شيبة (١٨٤٨٨، ١٨٤٩٠).
(٥) ت، ع: "والصحابة".
(٦) أخرجه البخاري (٧١٥٨) ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة.
المزعج، والخوف المقلق، والجوع والظمأ الشديد، وشغلِ القلب المانع من الفهم= فقد قلَّ فقهه وفهمه.
والتعويلُ في الحكم على قصد المتكلم، والألفاظُ لم تُقصَد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، والتوصُّلِ بها إلى معرفة مراد المتكلم. ومرادُه يظهر من عموم لفظه تارةً، ومن عموم المعنى الذي قصده تارةً. وقد يكون فهمُه من المعنى أقوى، وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان؛ كما إذا قال الدليل لغيره: لا تسلك هذا الطريقَ، فإنَّ فيها مَن يقطع الطريق، أو هي مَعْطَشة مَخُوفة= علِمَ هو وكلُّ سامع أنَّ قصدَه أعمُّ من لفظه، وأنه أراد نهيه عن كلِّ طريق هذا شأنها. فلو خالفه وسلك طريقًا أخرى عطِبَ بها حَسُن لومه، ونُسِب إلى مخالفته ومعصيته. ولو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن: لا تأكل الضأن فإنه يزيد في مادة المرض، لَفهِمَ كلُّ عاقل منه أنّ لحم البقر والإبل١ كذلك، ولو أكل منهما لَعُدَّ مخالفًا، والتحاكم في ذلك إلى فِطَر الناس وعقولهم. ولو منَّ عليه غيرُه بإحسانه، فقال: والله لا أكلتُ له لقمة، ولا شربتُ له ماء؛ يريد خلاصه من منَّته عليه، ثم قبل منه الدراهم والذهب والثياب٢ والشَّاء٣ ونحوها لَعدَّه العقلاءُ واقعًا في أعظمِ٤ ما حلَف عليه، ومرتكبًا لذِروة سنامه. ولو لامه عاقل على كلامه لمن لا يليق به
(١) ف: "الإبل والبقر"، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) ع: "والنثار".
(٣) من س، ت، وهامش ح. وفي ع: "الشِّياه"، وهو جمع الشاة كالشَّاء. وفي النسخ المطبوعة: "الشاة".
(٤) ع: "في أعظم حلفٍ". وفي النسخ المطبوعة: "فيما هو أعظم مما"، ولعله تصرُّف من بعضهم، وهو غير ملائم لقوله: "ومرتكبًا لذروة سنامه".