في اسم الزوج. وهذا في التجاوز يقابل الأول في التقصير.
ولهذا كان معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصل العلم وقاعدته وآخيَّته١ التي يَرجع٢ إليها، فلا يُخرج شيئًا من معاني ألفاظه عنها، ولا يُدخل فيها ما ليس منها، بل يعطيها حقَّها، ويفهم المراد منها.
ومن هذا: لفظ الأيمان والحَلِف. أخرجت طائفة منه الأيمان الالتزامية التي يلتزم صاحبها بها إيجابَ شيء أو تحريمَه، وأدخلت طائفة فيها التعليقَ المحضَ الذي لا يقتضي حضًّا ولا منعًا. والأول نقص [١٣٢/أ] من المعنى، والثاني تحميل له فوق معناه.
ومن ذلك: لفظ الربا. أدخلت فيه طائفة ما لا دليل على تناول اسم الربا له كبيع الشَّيْرَج٣ بالسِّمسِم، والدِّبْس بالعنب، والزيت بالزيتون، وكلِّ ما استُخرج من ربويِّ وعُمِل منه بأصله؛ وإن خرج عن اسمه ومقصوده وحقيقته. وهذا لا دليل عليه يوجب المصيرَ إليه، لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا ميزان صحيح. وأدخلت فيه من مسائل مُدِّ عَجْوة٤ ما هو
(١) الآخيَّة: عروة يثبّت طرفاها في أرض أو حائط، وتشدُّ فيها الدابة.
(٢) يعني العالِم، وهو مفهوم من السياق.
(٣) سبق تفسيره.
(٤) ضابطها أن يبيع ربويًّا بجنسه ومعهما أو مع أحدهما صنف آخر من غير جنسه. وسيأتي الكلام عليها.
أبعدُ شيء عن الربا.
وأخرجت طائفة أخرى منه ما هو من الربا الصريح حقيقةً وقصدًا وشرعًا كالحيل الربوية التي هي أعظم مفسدة من الربا الصريح، ومفسدةُ الربا البَحْت الذي لا يتوصَّل إليه بالسلاليم أقلُّ بكثير. وأخرجت منه طائفة بيعَ الرُّطَب بالتمر، وإن كان كونه من الربا أخفى من كون الحيل الربوية منه، فإن التماثل موجود فيه في الحال دون المآل، وحقيقة الربا في الحيل الربوية أكمل وأتم منها في العقد الربوي الذي لا حيلة فيه.
ومن ذلك: لفظ البينة. قصَّرت بها طائفة، فأخرجت منه الشاهد واليمين وشهادةَ العَبيد العدول الصادقين المقبولي القول على الله ورسوله، وشهادةَ النساء منفردات في المواضع التي لا يحضرهن فيه الرجال كالأعراس والحمامات، وشهادةَ الزوج في اللَّعان إذا نكَلَت المرأة، وأيمانَ المدَّعين للدم١ إذا ظهر اللَّوث ونحو ذلك مما يبيِّن الحقَّ أعظم من بيان الشاهدين، وشهادةَ القاذف، وشهادةَ الأعمى على ما [١٣٢/ب] يتيقنه، وشهادةَ أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم، وشهادةَ الحال في تداعي الزوجين متاعَ البيت وتداعي النجار والخياط آلتهما ونحو ذلك.
وأدخلت فيه طائفة ما ليس منه كشهادة مجهول الحال الذي لا يُعرَف بعدالة ولا فسق، وشهادةِ وجوه الآجُرِّ ومَعاقِد القُمُط٢ ونحو ذلك.
(١) في النسخ المطبوعة: "الدم".
(٢) جمع قِماط وهو ما يُشَدُّ به من ليف أو خوص أو غيره. وضبطه الجوهري بكسر القاف وسكون الميم. انظر: "الصحاح" و"النهاية في غريب الحديث" (قمط).