والصواب: أنّ كلَّ ما بيَّن الحقَّ فهو بينة١. ولم يعطِّل الله ولا رسوله حقًّا بعدما تبيَّن بطريق من الطرق أصلًا، بل حكمُ الله ورسوله الذي لا حكم له سواه أنه متى ظهر الحق ووضَح بأيِّ طريق كان وجب تنفيذه ونصره، وحَرُم تعطيله وإبطاله. وهذا باب يطول استقصاؤه، ويكفي المستبصرَ التنبيهُ عليه. وإذا فُهِم هذا في جانب اللفظ فُهِم نظيرُه في جانب المعنى سواء.
وأصحاب الرأي والقياس حمَّلوا معاني النصوص فوق ما حمَّلها الشارع، وأصحاب الألفاظ والظواهر قصَّروا بمعانيها عن مراده. فأولئك قالوا: إذا وقعت قطرة من دم في البحر فالقياس أنه ينجس، ونجَّسوا بها الماء الكثير مع أنه لم يتغير منه شيء البتة بتلك القطرة. وهؤلاء قالوا: إذا بال جَرَّةً من بول وصبَّها في الماء لم تُنجِّسه، وإذا بال في الماء نفسِه ولو أدنى شيء نجَّسه.
ونجَّس أصحابُ الرأي والمقاييس القناطيرَ المقنطرةَ، ولو كانت ألف ألف قنطار، من سَمْن أو زيت أو شَيْرج، بمثل رأسِ الإبرة من البول والدم، والشعرةِ الواحدة من الكلب والخنزير عند من ينجِّس شعرَهما. وأصحاب الظواهر والألفاظ [١٣٣/أ] عندهم لو وقع الكلب والخنزير بكماله أو أي ميتة كانت في أيِّ ذائب كان من زيت أو شَيرج أو خلّ أو دِبس أو وَدَك غير السَّمْن ألقيت الميتة فقط، وكان ذلك المائع حلالًا طاهرًا كلّه، فإن وقع ما عدا الفأرة في السَّمْن من كلب أو خنزير أو أي نجاسة كانت فهو طاهر حلال ما لم يتغير.
(١) انظر ما سبق من تفسير "البينة" في شرح قول عمر: "البينة على المدعي".
ومن ذلك: أن النبي ﷺ قال: "لا تنتقِبُ المرأة، ولا تلبس القُفَّازين"١ يعني في الإحرام، فسوَّى بين يديها ووجهها في النهي عما صُنِع على قدر العضو، ولم يمنعها من تغطية وجهها، ولا أمَرها بكشفه البتة. ونساؤه ﷺ أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كنّ يَسْدُلن على وجوههن إذا حاذاهن الرُّكبان، فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن٢. وروى وكيع، عن شعبة، عن يزيد الرِّشْك٣، عن معاذة العدَوية قالت: سألت٤ عائشة: ما تلبس المحرمة؟ فقالت: لا تنتقب، ولا تتلثَّم، وتسدُل الثوب على وجهها٥.
فجاوزت طائفة ذلك، ومنعتها من تغطية وجهها جملةً. قالوا: وإذا سدَلت على وجهها فلا تدع الثوب يَمسُّ وجهها، فإن مسَّه افتدت. ولا دليل على هذا البتة. وقياسُ قول هؤلاء أنها إذا غطَّت يدها افتدت، فإن النبي ﷺ سوَّى بينهما في النهي، وجعلهما كبدن المحرم، فنهى عن لبس القميص والنقاب والقُفَّازين. هذا للبدن، وهذا للوجه، وهذا لليدين. ولا يحرُم سترُ
(١) أخرجه البخاري (١٨٣٨) من حديث ابن عمر.
(٢) رواه أحمد (٢٤٠٢١)، وأبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجه (٢٩٣٥) من حديث عائشة ﵂، وسنده ضعيف، وله شاهد من حديث فاطمة بنت المنذر عن جدّتها أسماء ﵂، رواه الإمام مالك (١١٧٦)، وإسحاق بن راهويه في "المسند" (٢٢٥٥)، وصححه ابن خزيمة (٢٦٩٠)، والحاكم (١/ ٤٥٤). وانظر: "المحلى" لابن حزم (٧/ ٩١). ويشهد له أيضًا الحديث التالي.
(٣) ما عدا ع: "عن الرشك" أو "بن الرشك".
(٤) ساقط من ع. وفيما عدا س: "سئلت" بالبناء للمجهول.
(٥) علّقه ابن حزم في "المحلى" (٧/ ٩١) عن وكيع به. وتابعه معاذ بن معاذ العنبري، ومن طريقه رواه البيهقي (٥/ ٤٧).