أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، فذكر زينةَ ظواهرهم وزينةَ بواطنهم، ونبَّههم بالحِسِّي على المعنوي. وفهمُ هذا [١٣٦/أ] قدرٌ١ زائدٌ على فهمِ مجرَّد اللفظ ووضعه في أصل اللسان، والله المستعان٢.
فصل
قد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منها! فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلَّة الدالّة على ذمِّ القياس، وأنه ليس من الدين، وحصولِ الاستغناء عنه والاكتفاء بالوحيين. وها نحن نسوقها مفصّلةً مبيّنةً بحمد الله.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[النساء: ٥٩]. وأجمع المسلمون على أن الردَّ إلى الله سبحانه هو الردُّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ هو الردُّ إليه في حضوره وحياته، وإلى سنَّته في غيبته وبعد مماته. والقياس ليس بهذا ولا هذا.
ولا يقال: الردُّ إلى القياس هو من الردِّ إلى الله ورسوله، لدلالة كتاب الله وسنة رسوله عليه٣ كما تقدَّم تقريره؛ لأن الله سبحانه إنما ردَّنا إلى كتابه
(١) في النسخ المطبوعة: "القدر".
(٢) في النسخ المطبوعة بعده: "وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
(٣) "عليه" ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: "﵇"، فزيدت كلمة "السلام" خطأً.
وسنة رسوله، ولم يردَّنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط. بل قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾[المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾[النساء: ١٠٥]، ولم يقل: بما رأيتَ أنت. وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[المائدة: ٤٧].
وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾[النساء: ٦٥]، فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمُه وحدَه، وهو تحكيمه في حال حياته وتحكيم سنَّته فقط بعد وفاته.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[الحجرات: ١]، أي لا تقولوا حتى يقول. قال٢ نفاة القياس: والإخبار عنه بأنه حرَّم ما
(١) في جميع النسخ: "وأنزلنا إليك".
(٢) س، ح، ت، ف: "قالوا"، وذكر في طرة ع أن في أصلها "قالوا".