إعلام الموقعين

وسنة رسوله، ولم يردَّنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط. بل قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولم يقل: بما رأيتَ أنت. وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].

وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [١٣٦/ب] تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾١ [النحل: ٨٩] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقال: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فلو كان القياس هدًى لم ينحصر الهدى في الوحي.

وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمُه وحدَه، وهو تحكيمه في حال حياته وتحكيم سنَّته فقط بعد وفاته.

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، أي لا تقولوا حتى يقول. قال٢ نفاة القياس: والإخبار عنه بأنه حرَّم ما

  1. (١) في جميع النسخ: "وأنزلنا إليك".
  2. (٢) س، ح، ت، ف: "قالوا"، وذكر في طرة ع أن في أصلها "قالوا".
454

سكت عنه أو أوجبه قياسًا على ما تكلَّم بتحريمه أو إيجابه تقدُّمٌ بين يديه، فإنه إذا قال: "حرَّمتُ عليكم الربا في البُرِّ"، فقلنا: ونحن نقيس على قولك البَلُّوط١، فهذا محض التقدم.

قالوا: وقد حرَّم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم، وإذا٢ فعلنا ذلك فقد واقعنا هذا٣ المحرَّم يقينًا، فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمَه في القَديد من اللحوم. وهذا قفوٌ منَّا ما ليس لنا به علم، وتعدٍّ لما حَدَّ لنا، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، والواجب أن نقف عند حدوده، ولا نتجاوزها ولا نقصِّر بها.

ولا يقال: فإبطالُ القياس وتحريمُه والنهيُ عنه تقدُّمٌ بين يدي الله ورسوله، وتحريمُ ما لم ينصَّ على تحريمه، وقفوٌ منكم ما ليس لكم به علم. قالوا: لأنا نقول: الله سبحانه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وأنزل علينا [١٣٧/أ] كتابه، وأرسل إلينا رسوله يعلِّمنا الكتاب والحكمة. فما علَّمَناه وبيَّنه لنا فهو من الدين، وما لم يعلِّمناه ولا بيَّن لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورةً. وكلُّ ما ليس من الدين فهو باطل، فليس بعد الحق إلا الضلال.

وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فالذي أكمله الله سبحانه وبيَّنه هو ديننا، لا دين لنا سواه، فأين فيما أكمله لنا: "قِيسُوا ما

  1. (١) في طرة ح نقل بعضهم تفسير البلوط من "القاموس المحيط" بأنه "شجر كانوا يغتذون بثمره قديمًا".
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "فإذا".
  3. (٣) "هذا" ساقط من ت، ف.
455

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي