ومثَّل أمته والأمتين الكتابيتين قبلها فيما خصَّ الله به أمتَه وأكرمَها به، بأُجَراء عملوا بأجر مسمًّى لرجل يومًا على أن يوفِّيهم أجورهم، فلم يكملوا بقية يومهم وتركوا العمل من أثناء النهار، فعملت أمته بقية النهار، فاستكملوا أجر الفريقين١. وضرب له ولأمته جبريل وميكائيل مثلَ ملِكٍ اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل مائدةً، ثم بعث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه؛ فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه. فالله هو الملِك، والرسول محمد٢، والدار الإسلام، والبيت الجنة. فمن أجابه دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل دار المَلك وأكل منها. ومن لم يُجِبه لم يدخل داره، ولم يأكل منها٣.
(١) رواه البخاري (٥٥٨، ٢٢٧١).
(٢) ع: "ومحمد الداعي"، وكذا في المطبوع. وفي الطبعات السابقة: "والرسول محمد الداعي".
(٣) رواه الترمذي (٢٨٦٠)، وقال: "هذا حديث مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يُدرك جابر بن عبد الله". وظاهرُ رواية البخاري الوقف، وليست صريحة في الرفع، ولذلك عزّزها البخاري بسياق رواية سعيد بن أبي هلال المرفوعة، ساقها عن شيخهما قتيبة (مساق المتابعات)، واقتصر على سند الحديث دون متنه؛ لأنه ليس على شرطه، ولظهور انقطاعه وعدم اتصاله. ولا يضرُّ الحديث وقفُ ابنِ ميناءَ إيّاه؛ فإن له حكم الرفع بلا ريب، ولذلك لم يتحرّج البخاري من تخريجه في كتابه الصحيح. وبين سياقَي السعيدَيْن اختلافٌ يظهر من الموازنة بينهما، ومِنَ النظر في فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦). وللحديث شواهد، منها حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا، رواه الترمذي في الجامع (٢٨٦١)، وحسّنه، وحديث ربيعة الجرشي مرسلا، عند الدارمي في المسند (١١)، ومحمد بن نصر المروزي في السنة (١٠٩).
وفي "المسند" والترمذي١ من حديث النوَّاس بن سَمْعان قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، على كنَفَي الصراط سُوران لهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب ستور مُرخاة، وعلى باب الصراط داع. يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تَعرَّجُوا٢، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه! فإنك إن تفتحه تَلِجْه. فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتَّحة محارم الله. فلا يقع [١٣٩/ب] أحد في حدٍّ من حدود الله حتى يُكشَف السِّتْر. والداعي على رأس الصراط كتاب الله. والداعي من فوقُ٣ واعظُ الله في قلب كلِّ مسلم".
فليتأمَّل العارف قدرَ هذا المثل، وليتدبَّره حقَّ تدبُّره، ويزِنْ نفسَه به٤، وينظر أين هو منه؟ وبالله التوفيق.
(١) رواه أحمد (١٧٦٣٤، ١٧٦٣٦)، والترمذي (٢٨٥٩) ــ وقال: "هذا حديث حسن غريب" ــ، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١١٦٩) من حديث النواس بن سمعان ﵁ مرفوعا. وصححه الحاكم (١/ ٧٣).
(٢) كذا في النسخ دون ضبطه. وفي ع، ف غُيِّر إلى "تعوجوا"، وكذا في المطبوع وبعض مصادر التخريج. وفي أخرى: "لا تتعرجوا" و"لا تتعوجوا".