وفي "الصحيحين"١ عنه: "مثلي ومثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضًا، فكان منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت٢ منها أجادِبُ٣ أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، وزرعوا، وسقَوا. وأصاب طائفة أخرى منها الماء، وهي٤ قِيعانٌ لا تُمسِك ماء، ولا تُنبِت كلأ. فذلك مثلُ من فقُه في دين الله، ونفعه٥ بما بعثني الله به، فعلِم وعلَّم؛ ومثلُ من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلتُ به"٦.
وفي "الصحيحين"٧ عنه ﷺ أنه خطب الناس، فقال: "والله ما الفقرَ أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم ما يُخرج الله لكم من زهرة الدنيا". فقال رجل: يا رسول الله، أوَ يأتي الخير بالشرِّ؟ فصمَت رسولُ الله ﷺ، ثم قال: "كيف قلت؟ ". فقال: يا رسول الله، أوَ يأتي الخير بالشرِّ؟ فقال رسول الله ﷺ:
(١) من حديث أبي موسى أيضًا. البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢). والنقل من "أمثال الرامهرمزي" (ص ٣٦ - ٣٧).
(٢) في النسخ المطبوعة: "وكان".
(٣) الأجادب: صِلاب الأرض التي تمسك الماء فلا تشربه سريعًا. (النهاية - جدب).
(٤) في النسخ المطبوعة: "منها إنما هي". وفي "الأمثال" كما أثبت من النسخ.
(٥) ح: "وتفقه". وفي المطبوع: "ونفعه الله" بزيادة لفظ الجلالة.
(٦) وانظر شرح المثل في "طريق الهجرتين" (١/ ٢١٠ - ٢١١) و"مفتاح دار السعادة (١/ ١٦٢ - ١٦٤) و"الرسالة التبوكية" (ص ٦١ - ٦٤).
(٧) البخاري (١٤٦٥) ومسلم (١٠٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري. والنقل من "أمثال الرامهرمزي" (ص ٦١ - ٦٢). وقوله: "والله ما الفقر أخشى عليكم" من حديث عمرو بن عوف الأنصاري في البخاري (٣١٥٨) ومسلم (٢٩٦١).
"إنَّ الخير لا يأتي إلا بالخير، وإنَّ مما يُنبت الربيعُ ما يقتل حَبَطًا١ أو يُلِمُّ٢، إلا آكلةَ الخَضِر أكلَتْ حتى إذا امتدَّت خاصرتاها استقبلت الشمسَ، فثلَطت٣ وبالت، ثم اجترَّت، فعادت٤، فأكلت. فمن أخذ مالًا بحقِّه يبارَك له فيه، ومن أخذ مالًا بغير حقِّه فمثلُه كمثل الذي يأكل ولا يشبع".
وقالت ميمونة: قال رسول الله ﷺ لعمرو بن العاص: "الدنيا خَضِرة [١٤١/أ] حُلوة، فمن اتقى الله فيها وأصلح، وإلا فهو كالذي يأكل ولا يشبع. وبين الناس في ذلك كبعد الكوكبين، أحدهما يطلع في المشرق، والآخر يغيب في المغرب"٥.
ومثَّل نفسَه ﷺ في الدنيا براكب مرَّ بأرضٍ فَلاةٍ، فرأى شجرةً، فاستظلَّ تحتها، ثم راح وتركها٦.
(١) الحبط: انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء أو من المرض.
(٢) يعني: أو يكاد يقتل.
(٣) الثلط: الرجيع الرقيق.
(٤) في النسخ المطبوعة: "وعادت".
(٥) رواه أبو يعلى (٧٠٩٩)، والرامهرمزي في "أمثال الحديث" (ص ٧٣ - ٧٤) من حديث ميمونة ﵂ مرفوعًا. وفيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف. وانظر شرح الحديث في "عدة الصابرين" (ص ٤٥٤ - ٤٥٥).
(٦) رواه أحمد (٣٧٠٩، ٤٢٠٨)، والترمذي (٢٣٧٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٤١٠٩) من حديث ابن مسعود مرفوعًا. ورواه أحمد (٢٧٤٤) من حديث ابن عباس مرفوعًا، وصححه ابن حبان (٧٣٤٠)، والحاكم (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠). وانظر شرح المثل في "عدة الصابرين" (ص ٤٤٩).