معنى الشبهة التي تُدرأ بها الحدود، وهي الشبهة في المحلّ١، أو في الفاعل، أو في الاعتقاد، ولو عُرض هذا على فَهمِ مَن فُرِض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه. وأنَّ من يطأ خالته وعمَّته٢ بملك اليمين فلا حدَّ عليه مع علمِه [١٤٥/أ] بأنها خالته وعمته، وتحريمِ الله لذلك، ويُفهَم هذا من "ادرؤوا الحدود بالشبهات"! وأضعاف أضعاف هذا٣ مما لا يكاد ينحصر.
فهذا التمثيل والتشبيه٤ هو الذي ننكره، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالةٌ على فهمه بوجهٍ ما.
(١) ح، ف: "محلّ".
(٢) في النسخ المطبوعة: "أو عمَّته" هنا وفيما يأتي. وقد غيَّر بعضهم في ع في هذا الموضع واو العطف إلى "أو".
(٣) ت: "أضعافه". ع: "وأضعاف هذا" بإسقاط "أضعاف" الأولى.
(٤) ت: "التنبيه والتمثيل".
قالوا: ومن أين يفهم من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾[النحل: ٦٦]، ومن قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾، تحريمُ بيعِ الكَشْك١ باللبن، وبيعِ الخَلِّ بالعنب، ونحو ذلك؟
قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾[الشورى: ١٠]، ولم يقل "إلى قياساتكم وآرائكم" ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمةً بين الأمة أبدًا.
وقالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[الأحزاب: ٣٦]. فإنما منعهم من الخِيَرة عند حكمه وحكم رسوله، لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم. وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصةً، وقال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾[الأنعام: ٥٠]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾[المائدة: ٤٩].
(١) في "المغرب" (١/ ٤٠٩): "مدقوق الحنطة والشعير". وفي "المطلع" (١/ ٤٧٣): "هذا المعروف الذي يعمل من القمح واللبن". وفي "المصباح المنير" (٢/ ٥٣٤): "ما يعمل من الحنطة وربما عمل من الشعير". قال الزبيدي في "التاج" (٢٧/ ٣١٤): "قولهم: إنه يعمل من الحنطة، أي: واللبنِ، وينشَّف، ويرفَع. يطبخونه مع اللحم". وانظر: "المجموع شرح المهذب" (١١/ ١٧٨). وقد يطلق على ماء الشعير أيضًا كما في "المحكم" (٦/ ٣٩٨) وغيره. وفي "شمس العلوم" (٩/ ٥٨٤٠): "ماء الشعير يطبخ بخلٍّ أو لبن". وانظر: "تكملة دوزي" (٩/ ٩٨ - ٩٩). والكلمة فارسيَّة. انظر: "برهانِ قاطع" (٣/ ١٦٥١).