سبحانه محمدًا ﷺ بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها، فإذا نصَّ سبحانه في كتابه أو نصَّ رسولُه على اسم من الأسماء وعلَّق عليه حكمًا من الأحكام وجب أن لا يوقَع ذلك الحكمُ إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم، ولا يتعدَّى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء مما يقتضيه الاسم. فالزيادة على ذلك زيادة في الدين، والنقص منه نقص من الدين. فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من الدين١. ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص٢ ما ليس منه، ويقول: هذا قياس. ومرةً ينقص منه بعضَ ما يقتضيه، ويُخرجه عن حكمه، ويقول: هذا تخصيص. ومرة يترك النصَّ جملةً، ويقول: [١٤٨/أ] ليس العمل عليه، أو يقول: هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول٣.
قالوا: ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبعَ الناس للأحاديث، وكان كلَّما توغَّل فيه الرجل كان أشدَّ اتباعًا للأحاديث والآثار.
قالوا: ونحن نرى أن كلما اشتدَّ توغُّلُ الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس. فللّه كم من سنّةٍ صحيحة صريحة قد عُطِّلت به! وكم من أثرٍ درَسَ حكمُه بسببه! فالسننُ والآثارُ عند الآرائيين القيَّاسين٤ خاويةٌ على عروشها، معطلةٌ
(١) ت: "في الدين"، وكذا في النسخ المطبوعة. والجملة "والنقص ... الدين" ساقطة من ع.
(٢) ح، ف: "بالنص".
(٣) قارن هذه الفقرة في الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية، بكتاب "الإحكام" (٨/ ٢٠ - ٢١).
(٤) ع: "القياسة"، فإن صح فهو كالخيّالة. وفي ت: "والقياسين". وفي النسخ المطبوعة: "والقياسيين".
أحكامها، معزولةٌ عن سلطانها وولايتها. لها الاسم، ولغيرها الحكم! لها السِّكّة والخطبة، ولغيرها الأمر والنهي! وإلا فلماذا تُرك حديثُ العَرايا١، وحديثُ قسم الابتداء وأن للزوجة حقَّ العقد سبع ليال إن كانت بكرًا، أو ثلاثًا إن كانت ثيبًّا، ثم يقسم بالسويّة٢؛ وحديثُ تغريب الزاني غير المحصَن٣، وحديث الاشتراط في الحج وجواز التحلل بالشرط٤، وحديث المسح على الجوربين٥، وحديث عمران بن حصين٦ وأبي هريرة٧ في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة، وحديث دفع اللُّقَطة إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعِفاصها٨،
وحديث المصرَّاة٩، وحديث القرعة بين العَبيد إذا أُعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث١٠، وحديث
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٥٢١٣) ومسلم (١٤٦١) من حديث أنس.
(٣) أخرجه مسلم (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت.
(٤) أخرجه البخاري (٥٠٨٩) ومسلم (١٢٠٧) من حديث عائشة.
(٥) رواه أحمد (١٨٢٠٦)، وأبو داود (١٥٩)، والترمذي (٩٩) ــ وصحّحه ــ، وابن ماجه (٥٥٩)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٢٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعا. وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١٩٨)، وابن حبان (٥٨٣٥). وأعلّه أكثر النقاد السابقين، فليُنظر: "السنن الكبير" للبيهقي (١/ ٢٨٤)، و"معرفة السنن والآثار" له (١/ ٣٤٩)، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (١/ ٣٤٢ - ٣٤٦).
(٦) أخرجه مسلم (٥٧٤).
(٧) أخرجه البخاري (٤٨٢) ومسلم (٥٧٣).
(٨) أخرجه البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢) من حديث زيد بن خالد الجهني ..
(٩) أخرجه البخاري (٢١٤٨) ومسلم (١٥٢٤) من حديث أبي هريرة.