يدَه في فيك تقضَمُها كما يقضَم الفحلُ"١، وحديث "إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل"٢، وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة٣، وحديث النهي عن الذبح بالسِّنِّ والظُّفْر٤، وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء٥، وحديث النهي عن عَسْب الفحل٦، وحديث المحرِم إذا مات لم يخمَّر رأسُه ولم يقرَبْ طِيبًا٧، إلى أضعاف [١٤٩/ب] ذلك من الأحاديث التي كان تركُها من تَرِكة٨ القول بالقياس والرأي.
فلو كان القياس حقًّا لكان أهلُه أتبعَ الأمةِ للأحاديث ولا حُفِظ لهم تركُ حديث واحد إلا لنصٍّ ناسخ له. فحيث رأينا كلَّ مَن كان أشدَّ توغُّلًا في القياس والرأي كان أشدَّ مخالفةً للأحاديث الصحيحة الصريحة علِمنا أنَّ القياس ليس من الدين، وأنَّ شيئًا تُترك له السننُ لَأبينُ شيءٍ منافاةً للدين. فلو كان القياس من
(١) أخرجه البخاري (٢٢٦٥) ومسلم (١٦٧٤) عن يعلى بن أمية.
(٢) أخرجه البخاري (٦١٧) ومسلم (١٠٩٢) عن ابن عمر ﵄.
(٣) أخرجه البخاري (١٩٨٥) ومسلم (١١٤٤) عن أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٨٨) ومسلم (١٩٦٨) عن رافع بن خديج ﵁.
(٥) من أحاديث صلاة الكسوف التي أخرجها الشيخان: حديث ابن مسعود أخرجه البخاري (١٠٤١) ومسلم (٩١١). ومن أحاديث صلاة الاستسقاء: حديث عبد الله بن زيد المازني، أخرجه البخاري (١٠٠٥) ومسلم (٨٩٤).
(٦) أي بيع ماء الذكر من الإبل وغيرها. وحديث النهي عنه أخرجه البخاري (٢٢٨٤) عن ابن عمر، ومسلم (١٥٦٥) عن جابر ﵃.
(٧) أخرجه البخاري (١٢٦٧) ومسلم (١٢٠٦) عن ابن عباس ﵄.
(٨) س: "بركة"، وكأنه مغيَّر، وإن جاز تهكُّمًا. وفي ع: "ترك"، خطأ. وفي النسخ المطبوعة: "من أجل"، ولعله تغيير من بعض النسَّاخ أو الناشرين.
عند الله لطابق السنةَ أعظمَ مطابقة، ولم يخالف أصحابه حديثًا واحدًا منها، ولكانوا أسعدَ بها من أهل الحديث، فَلْيُرُوا أهلَ الحديث والأثر حديثًا واحدًا صحيحًا قد خالفوه، كما أريناهم آنفًا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس!
قالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم أن لا نقول على الله إلا الحقَّ، فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضُها بعضًا، بحيث لا يدري الناظر فيها أيُّها الصواب= حقًّا لكانت متفقةً يصدِّق بعضُها بعضًا كالسنَّة التي يصدِّق بعضُها بعضًا.
وقال تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾[يونس: ٨٢]. [فأخبر أنه سبحانه إنما يحقُّ الحقَّ بكلماته]١ لا بآرائنا ولا مقاييسنا٢. وقال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾[الأحزاب: ٤]، فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾[القصص: ٥٠]. فقسم الأمور إلى قسمين٣ لا ثالث لهما: اتباع لما دعا إليه الرسول، واتباع الهوى.
فصل٤
والرسول ﷺ لم يدعُ أمته إلى القياس قطُّ، بل قد صحَّ عنه أنه أنكر على عمر وأسامة محضَ القياس في شأن الحُلَّتين اللتين أرسل بهما إليهما،
(١) ما بين الحاصرتين جاء في طرر النسخ ما عدا س، ع مع علامة "صح"، وجائز أن يكون قد سقط لانتقال النظر، وإن كانت العبارة مستقيمة دونها.
(٢) في النسخ المطبوعة: "ولامقايسينا" بتكرار "لا".
(٣) ع: "الأمور قسمين"، وكذا في المطبوع.
(٤) قارن هذا الفصل بكتاب "الإحكام" لابن حزم (٨/ ٢٢ - ٢٦).