وأما الصحابة، فقد قال أبو هريرة لابن عباس: إذا جاءك الحديث عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له الأمثال٢.
وفي «صحيح مسلم»٣ من حديث سمُرة بن جُنْدَب قال: قال رسول الله ﷺ: [١٥١/أ] «أحبُّ الكلام إلى الله ﷿ أربع»، فذكر الحديث، وفي آخره: «لا تسمِّيَنَّ غلامك يسارًا ولا رَباحًا ولا نَجيحًا ولا أفلح، فإنك تقول: أثَمَّ هو؟ فيقال: لا. إنما هن أربع، فلا تزيدُنَّ عليَّ».
قالوا: فلم يستجِزْ٤ سمُرة أن ينهى عما عدا الأربع قياسًا عليها، وجعل ذلك زيادةً، فلم يزد على الأربع بالقياس التسميةَ بسعد وفَرَج وخَيرة٥ وبركة ونحوها. ومقتضى قول القيَّاسين٦ أن الأسماء التي سكت عنها النصُّ أولى بالنهي، فيكون إلحاقها بقياس الأولى أو مثله.
فإن قيل: فلعل قوله: «إنما هن أربع فلا تزيدن عليَّ»، مرفوع من نفس كلام النبي ﷺ، أو لعل سمرة أراد بها: إنما حفظتُ هذه الأربع، فلا تزيدُنَّ عليَّ في الرواية.
(١) قارن هذا الفصل بكتاب «الإحكام» لابن حزم (٨/ ٢٦ - ٣٢).
(٢) رواه الترمذي (٧٩)، وابن ماجه (٢٢، ٤٨٥).
(٣) برقم (٢١٣٧).
(٤) في النسخ المطبوعة: «فلم يجز».
(٥) في المطبوع: «خير». والصواب ما أثبت من النسخ و«الإحكام» (٨/ ٢٧) والمصنف صادر عنه.
(٦) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، وقد تكرر مثله من قبل.
قيل: أما السؤال الأول فصريح في إبطال القياس، فإن المعنى واحد، ومع هذا فخصَّ النهيَ بالأربع. وأما السؤال الثاني فقوله: «إنما هي١ أربع» يقتضي تخصيص الرواية والحكم بها، ونفي الزيادة عليها روايةً وحكمًا. فلا تنافي بين الأمرين.
وقال شعبة: سمعتُ سليمان بن عبد الرحمن قال: سمعتُ عُبيد٢ بن فيروز قال: قلتُ للبراء بن عازب: حدِّثني ما كرِه أو نهَى عنه رسول الله٣ﷺ، فقال: أربعٌ لا تجزئ في الأضاحي، فذكر الحديث. قال: فإني أكره أن تكون ناقصةَ القَرْن أو الأذن، قال: «فما كرهتَ منه فدعه، ولا تحرِّمه على أحد»٤. ولم يأذن له في القياس على الأربع، ولم يقِسْ عليها هو ولا أحد من الصحابة.
وقال عمرو بن دينار، عن أبي الشَّعْثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقزُّزًا٥، فبعث الله نبيَّه ﷺ، [١٥١/ب] وأنزل عليه كتابه، وأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه. فما أحلَّ فهو
(١) كذا في النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «هن» كما في الرواية.
(٢) في النسخ: «عبدة»، تحريف. وفي «الإحكام» كما أثبت.
(٣) في النسخ المطبوعة: «النبي».
(٤) رواه أحمد (١٨٥١٠)، وأبو داود (٢٨٠٢)، وابن ماجه (٣١٤٤)، والنسائي (٤٣٧٠) من حديث البراء بن عازب ﵁. وروى الترمذي (١٤٩٧) المرفوع منه دون الموقوف، وصححه. وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (٢٩١٢)، وابن حبان (١٤٩٥، ١٤٩٦، ٢٦٥٣)، والحاكم (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨). ويُنظر: «العلل الكبير» للترمذي (٤٤٦)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٦٠٧).
(٥) كذا في النسخ، وفي النسخ المطبوعة: «تقذُّرًا» كما في «السنن» و«الإحكام». وهما بمعنًى.