سمعتُ وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوُحَاظي: يا أبا زكريا، احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم.
وقال عبد الرزاق١: قال لي حماد بن أبي حنيفة: قال أبي: من لم يدَعْ القياسَ في مجلس القضاء لم يفقه.
[١٥٤/أ] فهذا أبو حنيفة ﵀٢ يقول: إنه لا يفقه من لم يترك القياس في موضع الحاجة إليه، وهو مجلس القضاء. قالوا٣: فتبًّا لكلِّ شيء لا يفقه المرء إلا بتركه.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن شُبْرُمة: ما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس٤.
وقال داود بن الزِّبْرِقان عن مجالد بن سعيد قال: ثنا الشعبي يومًا قال:
(١) في «المصنف» (١٤٩٣٩)، ومن طريقه رواه ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٦)، و«الصادع» (٣٨٣). ورواه ابن أبي العوام في «فضائل أبي حنيفة وأخباره» (٣٦٩) من طريق عبد الرزاق، لكنه أسقط حمّاد بن أبي حنيفة من السند، وجعله من رواية عبد الرزاق عن أبي حنيفة. وزاد زيادةً لم تَرِدْ في «المصنَّف» لعبد الرزاق، على أن سياق عبد الرزاق للحكاية في «مصنَّفه» ليس صريحًا في كون الكلام لأبي حنيفة، وقد يكون من كلام ابنه حمّاد، توجيهًا لفتوى أبيه التي جاءت على خلاف القياس. والله أعلم.
(٢) لم يرد الترحم في ع وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) القائل هو ابن حزم في «الإحكام» (٨/ ٣٦) وما قبله من كلامه أيضًا.
(٤) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٦) من طريق عبد الرزاق به. وقد سبق من قول ابن سيرين.
يوشك أن يصير الجهل علمًا والعلم جهلًا. قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟ قال: كنَّا نتَّبع الآثار وما جاء عن الصحابة، فأخذ الناسُ في غير ذلك، وهو القياس١.
وقال وكيع: حدثنا عيسى الخياط عن الشعبي قال: لَأن أتعنَّى بعَنِيَّةٍ٢ أحبُّ إليُّ من أن أقول في مسألة برأيي٣.
قلت: رواه أبو محمد بن قتيبة٤ بالعين المهملة، وعنيَّة بوزن غَنيَّة، ثم فسَّره بأن العنيَّة: أخلاط تُنقَع في أبوال الإبل حينًا٥ حتى تُطلَى بها الإبل من الجرَب.
وقال الأثرم: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئًا بشيء. قيل: لم؟ قال: أخشى أن٦ تزِلَّ
(١) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٠ - ٤٦١) من طريق داود بن الزبرقان به. وداودُ هذا واهٍ.
(٢) أي أتطلَّى بها.
(٣) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٥٩) من طريق وكيع به. ورواه الدارمي (١٠٩) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عيسى به، بنحوه.
(٤) في «غريب الحديث» (٢/ ٦٥١) وقد نقل الخطيب تفسير ابن قتيبة. ولعل المصنف نبَّه على الضبط لأن الكلمة في قول الشعبي وردت في «سنن الدارمي» بالغين المعجمة: «أتغنَّى بأغنية». وانظر: «الغريب المصنَّف» (٢/ ١٤٠).
(٥) أي وتُترك حينًا، كما في «الفقيه والمتفقه» و«غريب الحديث». وقد يكون «وتترك» ساقطًا في النقل.