وقال الأثرم: ثنا محمد بن كُنَاسة، ثنا صالح بن مسلم، عن الشعبي قال: لقد بغَّض إليَّ هؤلاء القومُ هذا المسجدَ، حتى لَهُو أبغضُ إليَّ من كُناسة داري. قلتُ: مَن هم يا أبا عمرو؟ قال: هؤلاء الآرائيون١، أرأيت أرأيت٢.
وقال حماد بن زيد عن مطر الوراق [١٥٤/ب] قال: ترك أصحابُ الرأي الآثارَ والله!٣.
وقال محمد بن خاقان: شيَّعنا٤ ابنَ المبارك في آخر خَرجةٍ خرج، فقلنا له: أوصِنا، فقال: لا تتخذوا الرأيَ إمامًا٥.
فصل
قالوا: ولو كان القياس حجةً لما تعارضت الأقيسة، وناقض بعضُها بعضًا. فترى كلَّ واحد من المتنازعين من أرباب القياس يزعم أن قوله هو
(١) في «الفقيه والمتفقه»: «الرَّأيْتِيُّون».
(٢) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٢) من طريق الأثرم به. ورواه ابن حبان في «الثقات» (٦/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، وابن بطة في «الإبانة» (٦٠٢، ٦٠٣)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢٠٨٩)، والبيهقي في «المدخل» (٢١٥، ٢٢٨)، وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٣٨٢)، وابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» (٢٥/ ٣٦٢) من طرق عن صالح بن مسلم به.
(٣) رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٣) من طريق حماد بن زيد به.
(٤) في النسخ الخطية: «سمعت»، وهو تحريف ما أثبت من «الفقيه والمتفقه»، ومنه ينقل المصنف.
(٥) رواه الخطيب في «تاريخ مدينة السلام» (٣/ ١٤٧)، وفي «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٦٣ - ٣٦٤) من طريق محمد بن خاقان.
القياس، فيبدي منازعه قياسًا آخر، ويزعم أنه هو القياس. وحججُ الله وبيِّناته لا تتعارض، ولا تتهافت.
قالوا: فلو جاز القول بالقياس في الدين لأفضى إلى وقوع الاختلاف الذي حذَّر منه الله١ ورسوله. بل عامة الاختلاف بين الأمة إنما نشأ من جهة القياس، فإنه إذا ظهر لكلِّ واحد من المجتهدين قياسٌ مقتضاه نقيضُ حكم الآخر اختلفا، ولا بدَّ. وهذا يدل على أنه من عند غير الله من ثلاثة أوجه: