مجلسًا في عهد رسول الله ﷺ كنَّا به١ أشدَّ اغتباطًا٢. جئنا٣ فإذا رجالٌ عند حجرة عائشة يتراجعون في القدَر، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله ﷺ خلف الحجرة يسمع كلامهم. فخرج علينا رسولُ الله ﷺ مغضبًا يُعرَف في وجهه الغضب، حتى وقف عليهم، فقال٤: «يا قوم بهذا ضلَّت الأمم قبلكم: باختلافهم على أنبيائهم، وضربِهم الكتابَ بعضَه ببعض. وإنَّ القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدِّق بعضُه بعضًا. ما عرفتم منه٥ فاعملوا به، وما تشابَه فآمنوا به». ثم التفتَ، فرآني أنا وأخي جالسين، فغبطنا أنفسَنا أن لا يكون رآنا معهم٦.
قال البخاري٧: رأيتُ أحمد بن حنبل وعليَّ بن عبد الله والحُميدي
(١) «كنَّا به» تحرَّف في النسخ الخطية والمطبوعة إلى «كأنَّه».
(٢) السياق في «الطبقات»: «اغتباطًا من مجلسٍ جلسناه يومًا».
(٣) ساقط من النسخ المطبوعة. ويبدو أنه لإهماله فيها أشكل على الناشرين فحذفوها.
(٤) في النسخ المطبوعة: «وقال».
(٥) هذا آخر ما في الورقة الساقطة من ع.
(٦) كذا رواه ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٧٩)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٨١٢)، وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٤٨) من مسند ابْنَي العاص، ولذلك أخرجه ابن سعد وابن أبي عاصم وغيرهما في ترجمة هشام بن العاص، أخي عمرٍو، ﵄. ولو ثبت ذلك لكان السند ظاهرَ الانقطاع، فإن شعيب بن محمد لم يُدرك ابنَي العاص بلا ثُنْيَا. لكن المحفوظ أن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو. كذا ورد من طرق كثيرة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. وقد خرّجه جماعة، منهم: أحمد (٦٦٦٨، ٦٨٤٥، ٦٨٤٦)، وابن ماجه (٨٥)، حسَّن سندَه البيهقيُّ في «القضاء والقدر» (٤٤١).
(٧) في «التاريخ الكبير» (٦/ ٣٤٢ - ٣٤٣). والنقل من «ذمّ الكلام» (٤٩).
وإسحاق بن إبراهيم يحتجُّون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه.
[١٥٦/أ] وقال أحمد بن صالح: أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله١.
قالوا: وأيضًا فإذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين فإما أن يقال: كلُّ مجتهد مصيب، فيلزم أن يكون الشيءُ وضدُّه صوابًا؛ وإما أن يقال: المصيب واحد، وهو القول الصواب. ولكن ليس أحد القياسين بأولى من الآخر، ولا سيَّما قياس الشَّبَه، فإنَّ الفرع قد يكون فيه وصفان شَبَهيَّان٢ للشيء وضده، فليس جعلُ أحدهما صوابًا دون الآخر بأولى من العكس.
قالوا: وأيضًا فالنبي ﷺ قال: «أوتيتُ جوامعَ الكلِم، واختُصِرتْ لي الحكمةُ اختصارًا»٣.
(١) رواه أبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٥٠) من طريق زكريا بن يحيى (وهو الحلواني)، عن أحمد بن صالح به.
(٢) في النسخ المطبوعة: «شبيهان»، والصواب ما أثبت من النسخ الخطية.
(٣) رواه (بنحوه) عبد الرزاق (١٠١٦٣) ــ ومن طريقه البيهقي في «الجامع لشعب الإيمان» (٤٨٣٧)، وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (٥٩١) ــ، وأبو داود في «المراسيل» (٤٥٥) من مرسل أبي قلابة الجرمي. ورواه ابن الضريس في «فضائل القرآن» (٨٩) ــ ومن طريقه الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (٢/ ١٦١) من مرسل الحسن البصري. ورواه الدارقطني في «السنن» (٤٢٧٥) من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا بسند ضعيف منكر. وأغرب العراقي فجوّد سنده في «المغني» (٢٣٩٠). ورواه البيهقي في «الجامع لشعب الإيمان» (١٣٦٧) ــ ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» (٤/ ٨) ــ من حديث عمر ﵁ مرفوعًا، بسند واهٍ جدًّا فيه علل، لكن الظاهر أن آفته من محمد بن يونس الكديمي المُتَّهَم. وله طريق أخرى من حديثه أيضًا عند أبي يعلى في «المسند الكبير» [كما في «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (٢٣٩، ٣٧٧)، و«المطالب العالية» لابن حجر (٣٨٤٨)] والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٢٤٤). وقد أشار البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ١٩٢)، وفي «الضعفاء الصغير» (١٠٩) إلى عدم صحة هذا السند خاصة، ووافقه العقيلي، وأشار إلى أنه رُوي من طريق أخرى فيها لِينٌ. ويُنظر «سلسلة الأحاديث الضعيفة» للألباني (٢٨٦٤).