على [١٦٢/أ] جسد أخيه أصحُّ من قياسه على العَذِرة والجِيَف والمَيْتات والدم.
ومن ذلك: أنكم قستم الماء الذي توضَّأ به الرجل على العبدِ الذي أعتقه في كفارته، والمالِ الذي أخرجه في زكاته. وهذا من أفسد القياس. وقد تركتم قياسًا أصحَّ في العقول والفِطَر منه، وهو قياسُ هذا الماء الذي قد أدَّى به عبادةً على الثوب الذي قد صلَّى فيه، وعلى الحصى التي رمَى بها١ الجمار مرةً عند من يجوز منكم الرميُ بها ثانية، وعلى الحجر الذي استجمر به مرةً إذا غسله أو لم يكن به نجاسة.
ومن ذلك: أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة، فلم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، على الماء الذي غيَّرت النجاسة لونه وطعمه وريحه٢. وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحسِّ. وتركتم قياسًا أصح منه، وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة. فقياس الوارد على المورود، مع استوائهما في الحدِّ والحقيقة والأوصاف، أصحُّ من قياس مائة رطل ماءً وقع فيها٣ شعرةُ كلب على مائة رطل خالطها مثلُها بولًا وعَذِرةً، حتى غيَّرها.
ومن ذلك٤: فرَّقتم بين ماء جارٍ بقدر طرف الخنصر تقع فيه النجاسة فلم تغيِّره، وبين الماء العظيم المُستبحِر إذا وقع فيه مثلُ رأس الإبرة من
(١) في النسخ المطبوعة: «الذي رمى به».
(٢) ع: «أو طعمه أو ريحه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) في النسخ المطبوعة: «فيه».
(٤) زادوا بعد ذلك في النسخ المطبوعة: «أنكم».
البول، فنجَّستم الثاني دون الأول. وتركتم محضَ القياس، ولم١ تقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبير في غربيِّه نجاسةٌ على الجانب الشمالي والجنوبي، وكلُّ ذلك مماسٌّ لما قد تنجَّس عندكم مماسّة مستوية.
وقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة، فأوجبوا الاستنشاق. ولم يقيسوه عليه في الوضوء [١٦٢/ب] الذي أمر رسول الله ﷺ فيه بالاستنشاق نصًّا٢، ففرَّقوا بينهما، وأسقطوا الوجوب في محلَّ الأمر به، وأوجبوه في غيره. والأمرُ بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل البدن في الجنابة سواء.
ومن ذلك: أنكم قستم النسيان على العمد في الكلام في الصلاة، وفي فعل المحلوف عليه ناسيًا، وفيما يوجب الفدية من محظورات الإحرام كالطيب واللباس والحلق والصيد، وفي حمل النجاسة في الصلاة. ثم فرَّقتم بين النسيان والعمد في السلام قبل تمام الصلاة، وفي الأكل والشرب في الصوم، وفي ترك التسمية على الذبيحة، وفي غير ذلك من الأحكام.
وقستم الجاهل على الناسي في عدّة مسائل، وفرَّقتم بينهما في مسائل أخر. ففرَّقتم بينهما فيمن نسي أنه صائم فأكل أو شرب، لم يبطل صومه؛ ولو
(١) في النسخ المطبوعة: «فلم».
(٢) رواه أحمد (١٦٣٨٠، ١٦٣٨٣)، وأبو داود (١٤٢، ٢٣٦٦)، والترمذي (٧٨٨) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (٤٠٧)، والنسائي (٨٧) من حديث لقيط بن صَبِرة ﵁ مرفوعًا. وصححه أيضًا ابن خزيمة (١٥٠، ١٦٨)، وابن حبان (١٦٠٠، ٤٣٣٧، ٦١٠٠)، والحاكم (١/ ١٤٧ - ١٤٨، ٤/ ١١٠)، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٥٩٢، ٥٩٣)، وابن حجر في «الإمتاع» (ص ٥٠)، وغيرُهم.