غيره، وطائفة قاست عليه الخنزير وحده دون الذئب١ الذي هو مثله أو شرٌّ منه. وقياسُ الخنزير على الذئب أصحُّ من قياسه على الكلب. وطائفة قاست عليه البغل والحمار، وقياسُهما على الخيل ــ التي هي قرينتهما في الذكرِ وامتنانِ الله سبحانه على عباده بما يركبونها٢، واتخاذِها زينةً، وملامسة الناس لها ــ أصحُّ من قياس البغل على الكلب، فقد علم كلُّ أحد أن الشبه بين البغل والفرس أظهر وأقوى من الشبه بينه وبين الكلب. وقياسُ البغل والحمار على السنَّور لشدَّة ملامستهما والحاجة إليهما وشُربهما من آنية البيت أصحُّ من قياسهما على الكلب.
وقستم الخنافس والزنابير٣ والعقارب والصِّرْدان٤ على الذباب في أنها لا تنجَس بالموت لعدم٥ النفس السائلة لها، وقلة الرطوبات والفضلات التي توجب التنجيس فيها. ونجَّس من نجَّس منكم العظام بالموت مع تعرِّيها من الرطوبات والفضلات جملة، ومعلوم أن النفس السائلة التي في تلك الحيوانات المقيسة أعظم من النفس السائلة التي في العظام.
(١) ع: «دون غيره كالذئب». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) تحرف في ع إلى «بها بركوبها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) «الزنابير» من ع وحدها. وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) جمع الصُّرَد. وهو طائر أعظم من العصفور ضخم الرأس والمنقار، يصيد صغار الحشرات وربما صاد العصافير (المعجم الوسيط). وانظر: «معجم الحيوان» للفريق أمين المعلوف (ص ٢٢٧).
(٥) س، ع: «بعدم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
وفرَّقتم بين ما شرِب منه الصقر والبازي والحِدَأة والعقاب والأحناش وسباع الطير، وما شرب منه [١٦٣/ب] سباع البهائم، من غير فرق بينهما. قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الفرق في هذا بين سباع الطيور وسباع ذوات الأربع، فقال: أما في القياس فهما سواء، ولكني أستحسن في هذا١.
وتركتم صريح القياس في التسوية بين نبيذ التمر والزبيب والعسل والحنطة ونبيذ العنب، وفرَّقتم بين المتماثلين، لا فرق٢ بينهما البتة، مع أن النصوص الصحيحة الصريحة قد سوَّت بين الجميع.
وفرَّقتم بين مَن معه إناءان طاهر ونجس، فقلتم: يُريقهما ويتيمَّم، ولا يتحرَّى فيهما، ولو كان معه ثوبان كذلك تحرَّى٣ فيهما، والوضوءُ بالماء النجس كالصلاة في الثوب النجس. ثم قلتم: فلو كان٤ الآنية ثلاثة تحرَّى، ففرَّقتم بين الاثنين والثلاثة، وهو فرق بين متماثلين. وهذا على أصحاب الرأي، وأما أصحاب الشافعي ففرَّقوا بين الإناء الذي كلُّه بول وبين الإناء الذي نصفُه فأكثر بول، فجوَّزوا الاجتهاد بين الثاني والإناء الطاهر، دون الأول، وتركوا محض القياس في التسوية بينهما.
وقِستم القيء على البول، وقلتم: كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف، ولم تقيسوا الجَشوة الخبيثة على الفسوة، ولم تقولوا: كلاهما ريح