وقستم الوضوء وغسل الجنابة على الاستنجاء وغسل النجاسة في صحته بلا نية. ولم تقيسوهما على التيمُّم، وهما أشبه به من الاستنجاء. ثم تناقضتم، فقلتم: لو انغمس جُنبٌ في البئر لأخذِ الدلو ولم ينو الغسل لم يرتفع حدثه، كما قاله أبو يوسف، ونقَض أصله في أن مسَّ الماء لبدن الجنب يرفع حدثه وإن لم ينوِ. وقال محمد: بل يرتفع حدثه، ولا يفسد الماء، فنقضَ أصله في فساد الماء الذي يرفع الحدث١.
وقستم التيمُّم إلى المرفقين [١٦٤/أ] على غسل اليدين إليهما، ولم تقيسوا المسح على الخفين إلى الكعبين على غسل الرجلين إليهما، ولا فرق بينهما البتة. وأهل الحديث أسعد بالقياس منكم، كما هم أسعد بالنص.
وقستم إزالة النجاسة عن الثياب٢ بالمائعات على إزالتها بالماء، ولم تقيسوا إزالتها من القذر بها على الماء، فما الفرق؟ ثم قلتم: تُزال من المخرجين بكلِّ مزيل جامد، ولا تُزال من سائر البدن إلا بالماء. وقلتم: تُزال من المخرجين بالروث اليابس، ولا تُزال بالرجيع اليابس، مع تساويهما في النجاسة.
وقستم قليل القيء على كثيره في النجاسة، ولم تقيسوه عليه في كونه حدثًا. وقستم نوم المتورِّك على المضطجع في نقض الوضوء، ولم تقيسوا عليه نوم الساجد.
(١) انظر: «المبسوط» للسرخسي (١/ ٥٣).
(٢) ما عدا ع: «من الثياب».
وتركتم محض القياس المؤيَّد بالسنّة المستفيضة في مسح العمامة ــ إذ هي١ ملبوس معتاد ساتر لمحلِّ الفرض، يشقُّ نزعُه على كثير من الناس إما لحَنَكٍ أو لكُلّاب أو لبرد ــ على المسح على الخفين، والسنّة قد سوَّت بينهما في المسح، كما هما سواء في القياس، ويسقط فرضهما في التيمم.
وقستم مسحَ الوجه واليدين في التيمُّم على الوضوء في وجوب الاستيعاب، ولم تقيسوا مسح الرأس في الوضوء على الوجه في وجوب الاستيعاب، والفعل والباء والأمر في الموضعين سواء.
وقستم وجودَ الماء في الصلاة على وجوده خارجَها في بطلان صلاة المتيمِّم به، ولم تقيسوا القهقهة في الصلاة على القهقهة خارجها٢. وفرَّقتم بين تقديم الزكاة قبل وجوبها فأجَزْتموه، وبين تقديم الكفَّارة قبل وجوبها فمنعتموه.
وقستم وجهَ المرأة في الإحرام على رأس الرجل وتركتم [١٦٤/ب] قياس وجهها على يديها أو على بدن الرجل، وهو محض القياس وموجَب السنَّة، فإن النبي ﷺ سوَّى بين يديها ووجهها وبين بدن الرجل ووجهها٣ حيث قال: «لا تلبس القُفَّازين ولا النقاب»٤، وكذلك قال: «لا يلبس
(١) ت: «وهي»، وكذا في الطبعات القديمة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «في خارجها».
(٣) ع: «يدي الرجل ووجهه»، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من النسخ الأخرى.