كتابه المسمَّى بـ «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام»١ في بابٍ ترجمتُه: «الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه»: «وقد قدَّمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي٢ وغير ذلك: هل تلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُرَيح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضَى بالطلاق على من حلَف به، فحنَث. ولا يعرف لعليٍّ في ذلك مخالف من الصحابة»٣. قال٤:
«وصحَّ عن عطاء فيمن قال لامرأته: «أنتِ طالق إن لم أتزوَّج عليك»، قال: إن لم يتزوَّج عليها حتى يموت أو تموت فإنهما يتوارثان٥. وهو قول الحَكَم بن عُتَيبة٦». ثم حكى٧ عن عطاء فيمن حلف بطلاق امرأته ليضربنَّ زيدًا، فمات أحدهما أو ماتا معًا، فلا حنث عليه،
(١) وهو شرح كتاب «الأحكام الصغرى» لعبد الحق الإشبيلي، وقد وصل بعض أجزاء الكتاب.
(٢) في النسخ المطبوعة: «والشرط» وهو غلط.
(٣) هذا النص من كتاب ابن بزيزة نقله المؤلف في «الصواعق» (٢/ ٦١٦) وسيورده مرة أخرى في هذا الكتاب أيضًا.
(٤) يعني: ابن بزيزة ..
(٥) رواه عبد الرزاق (١١٣١٠) عن ابن جريج عنه.
(٦) «عتيبة» تصحف في ح، ت، ف إلى «عيينة». وقول الحكم رواه عبد الرزاق (١١٣٠٩) ــ وعنه ابن حزم في «المحلَّى» (٩/ ٤٧٧ - دار الفكر) ــ من طريق غيلان بن جامع عنه.
(٧) يعني: ابن بزيزة.
ويتوارثان. وهذا صريح [١٦٦/ب] في أن يمين الطلاق لا تلزم١، ولا تطلَّق الزوجة بالحنث فيها. ولو حنَث قبل موته لم يتوارثا، فحيث أثبت التوارث دلَّ على أنها زوجة عنده. وكذلك عكرمة مولى ابن عباس أيضًا عنده يمينُ الطلاق لا تلزم، كما ذكره عنه سُنَيد بن داود في «تفسيره»٢ في سورة النور عند قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾[النور: ٢١].
ومن العجب أنكم قلتم: إذا قال: «إن شفى الله مريضي فعليَّ صومُ شهر، أو صدقة، أو حجة» لزمه، لأنه قاصد للنذر. فإذا قال: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صوم، أو صدقة» لم يلزمه لأنه نذر لجاج وغضب، فهو يمين فيه كفارة اليمين. فجعلتم قصدَه لعدم الوقوع مانعًا من ثلاثة أشياء: إيجاب ما التزم، ووجوبه عليه، ووقوعه.
وقلتم: لو قال: «إن فعلتُ كذا فعليَّ الطلاق» وفَعَله لزمه، ولم يمنع قصدُ الحلف من وقوعه، وهو أبغضُ الحلال إلى الله٣،
ومَنَع من وجوب
(١) في النسخ المطبوعة: «لا يلزم».
(٢) من طريق عبّاد بن عبّاد المُهَلَّبي عن عاصم الأحول عنه، كما سيأتي في هذا الكتاب، وكما ذكره المؤلف في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٧٩١) و«الصواعق» (٢/ ٦٠٩).
(٣) يشير إلى حديثٍ رواه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨) من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا. والمحفوظ أنه من مراسيل محارب بن دثار. ويُنظر: «السنن» لأبي داود (٢١٧٧)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٢٩٧)، و«الكامل» لابن عدي (٣/ ٨٦، ٨٧)، و«العلل» للدارقطني (١٣/ ٢٢٥)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٧/ ٥٢٧)، و«بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨، ٣/ ١٧٠ - ١٧١)!، و«المُحرَّر» لابن عبد الهادي (١٠٥٣)، و«البدر المنير» لابن النحوي (٨/ ٦٥ - ٦٨).