قليلُ الألايا حافظٌ ليمينهوإن بدَرَتْ منه الأليَّةُ برَّت
ثم قلتم: وليس بيمين، فيدخل في قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾[التحريم: ٢]. فيالله العجب! ما الذي أحلَّه عامًا وحرَّمه عامًا، وجعله يمينًا وليس بيمين؟
ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم٢: إن قال: «إن فعلتُ كذا فأنا كافر»، وفعَلَه= لم يكفر، لأنه لم يقصد الكفر، وإنما منَعَ٣ نفسه من الفعل بمنعها من الكفر. وهذا حق، لكن نقضتموه في الطلاق والعتاق، مع أنه لا فرق بينهما البتة في هذا المعنى الذي منع من وقوع الكفر.
ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «إن فعلتُ كذا فعليَّ أن أطلِّق امرأتي»، فحنَث= لم يلزمه أن يطلِّقها. ولو قال: «إن فعلتُه فالطلاق يلزمني»، فحنَث= وقع عليه الطلاق. ولا تفرِّق اللغة ولا الشريعة بين المصدر وأن والفعل.
فإن قلتم: الفرق بينهما أنه التزم في الأول التطليقَ، وهو فعلُه٤؛ وفي الثاني وقوعَ الطلاق، وهو أثر فعله.
قيل: هذا الفرق الذي تخيلتموه، ولا يُجدي١ شيئًا؛ فإن الطلاق هو التطليق بعينه، وإنما أثره كونها طالقًا، وهذا غير الطلاق. فهاهنا ثلاثة أمور مرتبة: التزام التطليق، وهذا غير الطلاق بلا شك. والثاني: إيقاع التطليق، وهو الطلاق بعينه الذي قال الله فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾[البقرة: ٢٢٩]، وقال النبي ﷺ: «الطلاق لمن أخذ بالساق»٢. الثالث٣: صيرورة المرأة طالقًا وبينونتها. فالقائل: «إن فعلتُ كذا فعليَّ الطلاق» [١٦٧/ب] لم يُرد هذا الثالث قطعًا، فإنه ليس إليه ولا هو٤ من فعله، وإنما هو إلى الشارع؛ والمكلَّفُ إنما يلزم ما يدخل تحت مقدرته، وهو إنشاءُ الطلاق. فلا فرق أصلًا بين هذا اللفظ وبين قوله: «فعليَّ أن أطلِّق»، فالتفريق بينهما تفريق بين متساويين، وهو عدولٌ عن محض القياس، من غير نصٍّ ولا إجماع ولا قول صاحب.
يوضِّحه أن قوله: «فالطلاق لازم لي» إنما هو فعله الذي يلزم٥
(١) كذا في النسخ الخطية: «ولا يجدي»، فخبر المبتدأ هو الاسم الموصول. وفي النسخ المطبوعة حذفوا الواو، لتكون الجملة الفعلية هي الخبر.
(٢) رواه ابن ماجه (٢٠٨١) من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا. وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه، فكان يُسنده حينًا، ويُرسله أخرى. فليُنظر: «السنن» للدارقطني (٣٩٩٢)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٧/ ٣٦٠). أما ما ذُكِرَ لابن لهيعة من متابعات؛ فليس يصحُّ منها شيءٌ. ويُنظر: «البدر المنير» لابن النحوي (٨/ ١٣٨ - ١٣٩)، و«التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ٤٤١).