بالتزامه. وأما كونها طالقًا، فهذا وصفها، فليس هو لازمًا له١، وإنما هو لازم لها.
فلينظر اللبيب المنصف، الذي العلمُ أحبُّ إليه من التقليد، إلى مقتضى القياس المحض واتباع الصحابة والتابعين في هذه المسألة، ثم ليختر لنفسه ما شاء، والله الموفِّق.
ثم ناقضتم أيضًا من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «إن حلفتُ بطلاقك أو وقع منِّي يمينٌ بطلاقك»، أو لم يقل: «بطلاقك»، بل قال: «متى حلفتُ أو أوقعتُ يمينًا فأنتِ طالق»، ثم قال: «إن كلَّمتُ فلانا فأنتِ طالق» ــ حنَثَ، وقد وقع عليه الطلاق؛ لأنه قد حلف وأوقع اليمين. فأدخلتم الحلفَ بالطلاق في اسم اليمين والحلف في كلام المكلَّف، ولم تُدخلوه في اسم اليمين والحلف في كلام الله ورسوله، وزعمتم أنكم اتبعتم في ذلك القياس والإجماع. وقد أريناكم مخالفتَكم لصريح القياس مخالفةً لا يمكنكم الانفكاك عنها بوجه، ومخالفتَكم للمنقول عن الصحابة والتابعين كأصحاب ابن عباس، فظهر عند المنصفين أنَّا أولى بالقياس والاتباع منكم في هذه المسألة. وبالله التوفيق.
وقلتم: لو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، فصدَّق الشهودَ [١٦٨/أ] سقط عنه الحدُّ، وإن كذَّبهم أقيم عليه الحد. وهذا من أفسد قياس في الدنيا، فإنَّ تصديقهم إنما زادهم قوةً، وزاد الإمامَ علمًا ويقينًا٢ أعظمَ من العلم
(١) «له» ساقط من ح، ف.
(٢) ع: «يقينًا وعلمًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
الحاصل بالشهادة وتكذيبه. وتفريقكم بأن البينة لا تَعمل١ إلا مع الإنكار، فإذا أقرَّ فلا عملَ للبينة، والإقرارُ مرةً لا يكفي، فيسقط الحد= تفريقٌ باطل، فإن العمل هاهنا بالبينة لا بالإقرار، وهو إنما صدر منه تصديقُ البينة التي وجب الحكمُ بها بعد الشهادة، فسواء أقرَّ أو٢ لم يُقِرَّ، فالعمل إنما هو بالبينة.
وقلتم: لو وجد الرجل امرأةً على فراشه، فظنَّها٣ امرأتَه، فوطئها= حُدَّ حدَّ الزنا، ولا يكون هذا شبهة مسقطة للحد. ولو عقَد على ابنته أو أمه ووطئها كان ذلك شبهة مسقطة للحد. ولو حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد وولدت مرة بعد مرة لم تُحَدَّ. ولو تقيَّأ٤ الخمر كلَّ يوم لم يُحَدَّ. فتركتم محضَ القياس والثابتَ عن الصحابة ثبوتًا لا شكَّ فيه من الحدِّ بالحَبَل ورائحة الخمر٥.
وقلتم: لو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، فطعَن في عدالتهم= حُبِس إلى٦ أن تزكَّى الشهود؛ ولو شهد عليه اثنان بمالٍ، فطعَن في عدالتهما٧ = لم يُحبَس
(١) في النسخ المطبوعة: «لا يعمل بها»، زادوا «بها» للتصحيف في «يعمل».
(٢) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه: «أم»، ولعله أصلح ما في أصله لأن «أم» هي المعادلة لهمزة التسوية في العربية، ولكن استعمال «أو» مكان «أم» من التسامح الشائع في كتب العلماء.