الحاصل بالشهادة وتكذيبه. وتفريقكم بأن البينة لا تَعمل١ إلا مع الإنكار، فإذا أقرَّ فلا عملَ للبينة، والإقرارُ مرةً لا يكفي، فيسقط الحد= تفريقٌ باطل، فإن العمل هاهنا بالبينة لا بالإقرار، وهو إنما صدر منه تصديقُ البينة التي وجب الحكمُ بها بعد الشهادة، فسواء أقرَّ أو٢ لم يُقِرَّ، فالعمل إنما هو بالبينة.
وقلتم: لو وجد الرجل امرأةً على فراشه، فظنَّها٣ امرأتَه، فوطئها= حُدَّ حدَّ الزنا، ولا يكون هذا شبهة مسقطة للحد. ولو عقَد على ابنته أو أمه ووطئها كان ذلك شبهة مسقطة للحد. ولو حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد وولدت مرة بعد مرة لم تُحَدَّ. ولو تقيَّأ٤ الخمر كلَّ يوم لم يُحَدَّ. فتركتم محضَ القياس والثابتَ عن الصحابة ثبوتًا لا شكَّ فيه من الحدِّ بالحَبَل ورائحة الخمر٥.
وقلتم: لو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، فطعَن في عدالتهم= حُبِس إلى٦ أن تزكَّى الشهود؛ ولو شهد عليه اثنان بمالٍ، فطعَن في عدالتهما٧ = لم يُحبَس
(١) في النسخ المطبوعة: «لا يعمل بها»، زادوا «بها» للتصحيف في «يعمل».
(٢) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه: «أم»، ولعله أصلح ما في أصله لأن «أم» هي المعادلة لهمزة التسوية في العربية، ولكن استعمال «أو» مكان «أم» من التسامح الشائع في كتب العلماء.
(٣) ع: «فظن أنها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) في النسخ المطبوعة: «تقايأ».
(٥) تقدَّم تخريج الآثار في ذلك.
(٦) في النسخ المطبوعة: «إلا».
(٧) ما عدا ع: «عدالتهم».
قبل التزكية، فتركتم محض القياس.
وقستم دعوى المرأتين الولدَ وإلحاقَه بهما وجعلَهما أمَّين له، على دعوى الرجلين. وهذا من أفسد القياس، فإنَّ خروج الولد من أمَّين معلوم الاستحالة، وتخليقَه من ماء الرجلين ممكن، بل واقع، كما شهد به القائف عند عمر، وصدَّقه١.
وقلتم: لو قال لأجنبيٍّ: «طلِّقْ امرأتي» فله أن يطلِّق في المجلس٢ وبعده. ولو قال لامرأته: «طلِّقي نفسَك» فلها أن تطلِّق [١٦٨/ب] نفسَها ما دامت في المجلس. ثم فرَّقتم بينهما بأن «طلِّقي نفسَك» تمليك لا توكيل، لاستحالة أن يكون وكيلًا في التصرُّف لنفسه فيقيَّدُ بالمجلس. وأما بالنسبة إلى الأجنبي، فتوكيلٌ، فلا يتقيَّد. وهذا الفرق دعوى مجرَّدة. لم تذكروا٣ حجةً على أن قوله: «طلِّقي نفسك» تمليك. وقولُكم: «الوكيل لا يتصرَّف لنفسه» جوابه: أنه٤ يتصرَّف لنفسه ولموكِّله، ولهذا كان الشريك وكيلًا بعد قبض المال والتصرُّف، وإن كان متصرِّفًا لنفسه، فإنّ تصرُّفَه لا يختصُّ به.
ثم ناقضتم هذا الفرق، فقلتم: لو قال: «أُبرِئ نفسك من الدَّين الذي عليك» فإنه لا يتقيَّد بالمجلس، ويكون توكيلًا؛ مع أنه تصرَّف مع نفسه.
(١) أخرجه سعيد بن منصور عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عمر. وهو منقطع فإن سليمان لم يدرك عمر. ورواه الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب. انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٧٥ - ٧٦).
(٢) ما عدا ع: «قبل المجلس»، وفي حاشية ع أن في أصلها أيضًا: «قبل المجلس».
(٣) في النسخ المطبوعة: «ولم تذكروا»، ولم ترد الواو في النسخ الخطية.
(٤) في النسخ المطبوعة: «له أن». وكذا في ع ولكن وضع فيها فوق «له» علامة «ظ».