إعلام الموقعين

مما عليه من الجزية، وقال: «لا أعطيكموه» انتقض بذلك عهدُه، وحلَّ ماله ودمه. ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو سرَق لمسلم عشرة دراهم لقُطِعت يده، ولو قذَفه حُدَّ بقذفه. فيا للقياس الفاسد الباطل، المناقض١ للدين والعقل، الموجِب لهذه الأقوال التي يكفي في ردِّها تصوُّرُها، كيف استجاز المستجيز تقديمها٢ على السنن والآثار! فالله المستعان.

وأجزتم شهادة الفاسقَين والمحدَودين في القذف والأعميَيْن في النكاح، ثم ناقضتم، فقلتم: لو شهد فيه عبدان صالحان عالمان يفتيان في الحلال والحرام لم يصحَّ النكاح، ولم ينعقد بشهادتهما. فمنعتم انعقاده بشهادة من عدَّله الله ورسوله ﷺ، وعقدتموه بشهادة من فسَّقه الله ورسوله ومنَع من قبول شهادته.

وقلتم: لو شهد شاهد على زيد أنه غصب عمرًا مالًا أو شجَّه أو قذَفه، وشهد آخر بأنه أقرَّ بذلك= لم يتمَّ النِّصاب ولم يُقضَ٣ عليه بشيء. ولو شهد شاهد بأنه طلَّق امرأته أو أعتَق عبده أو باعه، وشهد آخر بإقراره بذلك= تمَّت الشهادة، وقُضي عليه.

وقلتم: لو قال له: «بعتك هذا العبد بألف٤»، فإذا هو جارية أو بالعكس، فالبيع باطل. ولو٥ قال: «بعتك هذه النعجة بعشرة»، فإذا هي

  1. (١) ما عدا س، ع: «المتناقض».
  2. (٢) ما عدا ع: «تقديمك»، وهو تحريف غريب.
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «ولم يتمَّ النصاب لم يقض».
  4. (٤) «بألف» ساقط من ع.
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: «فلو».
64

كبش أو بالعكس، فالبيع صحيح. ثم فرَّقتم بأن قلتم: المقصود من الجارية والعبد مختلف، والمقصود من النعجة والكبش [١٦٩/ب] متقارب وهو اللحم. وهذا غير صحيح، فإنَّ الدَّرَّ والنسلَ المقصود من الأنثى لا يوجد في الذكر، وعَسْب الفحل وضِرابه المقصود منه لا يوجد في الأنثى. ثم ناقضتم أبين مناقضة بأن قلتم: لو قال: «بعتك هذا القمحَ»، فإذا هو شعير؛ أو «هذه الأَلْيَةَ»، فإذا هي شحم= لم يصحَّ البيع، مع تقارُب القصد.

وقلتم: لو باعه ثوبًا من ثوبين لم يصحَّ البيع، لعدم التعيين. فلو كانت١ ثلاثة أثواب، فقال: «بعتُك واحدًا منها» صحَّ البيع. فيالله العجب! كيف أبطلتموه مع قلة الجهالة والغَرر، وصحَّحتموه مع زيادتهما؟ أفترى زيادة الثوب الثالث خفَّفَت الغَرر ورفعت الجهالة؟ وتفريقكم بأن العقد على واحد من اثنين يتضمن الجهالة والتغرير، لأنه قد يكون أحدهما مرتفعًا والآخر رديئًا، فيفضي إلى التنازع والاختلاف. فإذا كانت ثلاثةً، فالثلاثة تتضمَّن الجيد والرديء والوسط، وكأنه٢ قال: «بعتُك أوسطَها»، وذلك أقلُّ غررًا من بيعه واحدًا من اثنين رديء وجيد، وإذا أمكن حملُ كلام المتعاقدين على الصحة فهو أولى من إلغائه. وهذا الفرق ما زاد المسألة إلا غَررًا وجهالة، فإن النزاع كان يكون في ثوبين فقط، وأما الآن فصار في ثلاثة. وإذا قال: «إنما وقع العقد على الوسط» قال الآخر: «بل على الأدنى، أو على الأعلى».

وقلتم: لو اشترى جاريةً ثم أراد وطأها قبل الاستبراء لم يجُز، ولو تيقّنَّا

  1. (١) ع: «كان». وفي غيرها: «كانوا»!
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «فكأنه».
65

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي