الحكم في كثير من المواضع، كمن صلَّى بالنجاسة ناسيًا أو عامدًا، وكمن فعل المحلوفَ عليه ناسيًا أو عامدًا، وكمن تطيَّب في إحرامه أو قلَم ظفرَه أو حلَق شعرَه ناسيًا أو عامدًا= فسوَّيتم بينهما. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من الجاهل والناسي، فأوجبتم القضاء على من أكل في رمضان جاهلًا ببقاء النهار دون الناسي، وفي غير ذلك من المسائل.
وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من عقود الإجارات، كاستئجار الرجل لطحن الحَبِّ بنصف كُرٍّ١ من دقيق، واستئجاره لطحنه بنصف كُرٍّ منه، فصحَّحتم الأول دون الثاني، مع استوائهما من جميع الوجوه. وفرَّقتم بأن العمل في الأول في العوض الذي استأجره به ليس مستحَقًّا عليه، وفي الثاني العمل مستَحقٌّ عليه، فيكون مستَحقًّا له وعليه. وهذا فرق صوري لا تأثير له، ولا تتعلَّق بوجوده مفسدة قط، لا جهالة ولا ربا ولا غَرر ولا تنازع، ولا هي مما يمنع صحة العقد بوجه. وأيُّ غَرر أو مفسدة أو مضرَّة للمتعاقدين في أن يدفع إليه غزلَه ينسجُه ثوبًا برُبعه، وزيتونَه [١٧٣/ب] يعصره زيتًا برُبعه، وحبَّه يطحنه بربعه، وأمثال ذلك مما هو مصلحة محضة للمتعاقدين، لا تتم مصلحتُهما في كثير من المواضع إلا به؟ فإنه ليس كلُّ أحدٍ٢ يملك عوضًا يستأجر به من يعمل له ذلك، والأجير محتاج إلى جزء من ذلك، والمستأجر محتاج إلى العمل، وقد تراضيا بذلك. ولم يأت من
(١) مكيال لأهل العراق يساوي ستين قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف صاع، فهو إذن ٧٢٠ صاعًا. انظر: «متن اللغة» (٥/ ٤٦) و«المكاييل والأوزان والنقود العربية» للدكتور محمود الجليلي (ص ٩٧ - ٩٩).
(٢) ع: «كل واحد»، وكذا في النسخ المطبوعة.
الله ورسوله نصٌّ يمنعه، ولا قياس صحيح، ولا قول صاحب، ولا مصلحة معتبرة ولا مرسلة.
وفرَّقتم١ بين ما جمع الله بينه، وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فقلتم: لو اشترى عنبًا ليعصره خمرًا، أو سلاحًا ليقتل به مسلمًا، ونحو ذلك= إنَّ البيع صحيح. وهو كما لو اشتراه ليقتل به عدوَّ الله ويجاهد به في سبيله، أو اشترى عنبًا ليأكله. كلاهما سواء في الصحة. وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فقلتم: لو استأجر دارًا ليتخذها كنيسةً يُعبَد فيها الصليب والنار جاز٢، كما لو استأجرها ليسكنها. ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم: لو استأجرها ليتخذها مسجدًا لم تصحَّ الإجارة.
وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فقلتم: لو استأجر أجيرًا بطعامه وكسوته لم يجز. والله سبحانه لم يفرِّق بين ذلك وبين استئجاره بطعام مسمًّى وثياب معينة٣. وقد كان الصحابة يؤجِّر أحدُهم نفسَه في السفر والغزو بطعام بطنه وركوبه٤ وهم أفقه الأمة٥.
وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من عقدين متساويين من كلِّ وجه، وقد صرَّح المتعاقدان فيهما بالتراضي، وعلم الله سبحانه تراضيهما والحاضرون،
(١) في النسخ: «ففرقتم»، والسياق يقتضي ما أثبت.
(٢) في النسخ المطبوعة: «جاز له».
(٣) لعله يشير إلى قصة موسى إذ تزوَّج على أن يأجر ثماني حجج.
(٤) في النسخ المطبوعة: «مركوبه».
(٥) روى مسلم (١٨٠٧/ ١٣٢) من حديث سلمة بن الأكوع أنه كان تبيعًا لطلحة بن عبيد الله في غزوة الحديبية يسوس فرسه، ويخدم طلحة، ويأكل من طعامه ...