إعلام الموقعين

[١٧٤/أ] فقلتم: هذا عقد باطل لا يفيد الملك ولا الحِلَّ حتى يصرِّحا بلفظ «بعت واشتريت». ولا يكفيهما أن يقول كلُّ واحد منهما: «أنا راضٍ بهذا كلَّ الرِّضى»، ولا «قد رضيتُ بهذا عوضًا عن هذا»، مع كون هذا اللفظ أدلَّ على الرِّضى الذي جعله الله سبحانه شرطًا للحِلِّ من لفظه: «بعت واشتريت»، فإنه لفظ صريح فيه، و«بعت واشتريت» إنما يدل عليه باللزوم.

وكذلك عقدُ النكاح، وليس ذلك من العبادات التي تعبَّدَنا الشارعُ فيها بألفاظ لا يقوم غيرُها مقامَها كالأذان وقراءة الفاتحة في الصلاة وألفاظ التشهد وتكبيرة الإحرام وغيرها، بل هذه العقود تقع من البَرِّ والفاجر والمسلم والكافر، ولم يتعبَّدنا الشارعُ فيها بألفاظ معينة، فلا فرق أصلًا بين لفظ الإنكاح والتزويج وبين كلِّ لفظ يدل على معناهما.

وأفسَدُ من ذلك اشتراطُ العربية مع وقوع النكاح من العرب والعجم والترك والبربر ومن لا يعرف كلمة عربية، والعجب أنكم اشترطتم تلفُّظَه بلفظٍ لا يدري ما معناه البتة، وإنما هو عنده بمنزلة صوتٍ في الهواء فارغٍ لا معنى تحته، فعقدتم العقدَ به، وأبطلتموه بتلفظه باللفظ الذي يعرفه، ويفهم معناه، ويميِّز بين معناه وغيره. وهذا من أبطل القياس، ولا يقتضي القياس إلا ضدَّ هذا، فجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه.

وبإزاء هذا القياس قياسُ من يجوِّز قراءة القرآن بالفارسية، ويجوِّز انعقاد الصلاة [١٧٤/ب] بكلِّ لفظ يدل على التعظيم كسبحان الله، وجلَّ الله، والله العظيم، ونحوه ــ عربيًّا كان أو فارسيًّا ــ ويجوِّز إبدال لفظ التشهد بما يقوم مقامه. وكلُّ هذا من جنايات الآراء والأقيسة. والصواب: اتباع ألفاظ العبادات والوقوف معها. وأما العقود والمعاملات فإنما تُتَّبع مقاصدها

75

والمراد بها١ بأيِّ لفظٍ كان، إذ لم يشرع الله ورسوله لنا التعبُّدَ بألفاظ معينة لا نتعدَّاها.

وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه من إيجاب النفقة والسكنى للمبتوتة وجعلتموها كالزوجة. وفرَّقتم بين ما جمع الله ورسوله بينه من ملازمة الرجعية المعتدَّة والمتوفَّى عنها زوجُها منزلَهما٢ حيث يقول تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] وحيث أمر النبيُّ ﷺ المتوفَّى عنها أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله٣.

وجمعتم بين ما فرَّقت السنَّةُ٤ بينهما من بول الطفل والطفلة الرضيعين، فقلتم: يُغسَلان. وفرَّقتم بين ما جمعت السنَّةُ بينه من وجوب غسلِ قليل البول وكثيره.

وفرَّقتم بين ما جمع الله ورسوله بينهما من ترتيب أعضاء الوضوء

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «منها».
  2. (٢) س، ت، ع: «منزلها».
  3. (٣) رواه أحمد (٢٧٠٨٧، ٢٧٠٨٨، ٢٧٣٦٣)، وأبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤)، وابن ماجه (٢٠٣١)، والنسائي (٣٥٢٨، ٣٥٣٠، ٣٥٣٢) من حديث الفريعة بنت مالك - رضي الله عنهت - مرفوعا. وصححه الترمذي، وابن حبان (١٤٦١، ١٤٦٢)، والحاكم (٢/ ٢٠٨)، ونقل قول الحافظ محمد بن يحيى الذهلي: «هذا حديث صحيح محفوظ». وصححه أيضًا ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، وابن النحوي في «البدر المنير» (٨/ ٢٤٣، ٢٤٧، ٢٥٠). ويُنظر للفائدة: «العلل» للدارقطني (١٥/ ٤١٢ - ٤١٣).
  4. (٤) ع: «فرَّق الله»، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من النسخ الأخرى.
76

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي