فإن قيل: لكنه خرج إلى وقت نهي في الصبح وهو وقت طلوع الشمس، ولم يخرج إلى وقت نهي في المغرب.
قيل: وهذا فرق فاسد، لأنه ليس بوقت نهيٍ عن هذه الصلاة التي هو فيها، بل هو وقتُ أمرٍ بإتمامها بنصِّ صاحبِ الشرع حيث يقول١: «فَلْيُتِمَّ صلاتَه»، وإن كان وقتَ نهي بالنسبة إلى التطوع. فظهر أن الميزان الصحيح مع السنة الصحيحة، وبالله التوفيق٢.
وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فقلتم: المختلعة البائنة التي قد ملكت نفسها يلحقها الطلاق، فسوَّيتم بينها وبين الرجعية في ذلك. وقد فرَّق الله بينهما بأن جعل هذه مفتديةً لنفسها مالكةً لها كالأجنبية، وتلك زوجُها أحقُّ بها. ثم فرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فأوقعتم عليها مرسلَ الطلاق دون معلَّقه، وصريحَه دون كنايته. ومن المعلوم أن من ملَّكه الله أحدَ الطلاقين ملَّكه الآخر، ومن لم يملِّكه هذا لم يملِّكه هذا.
وجمعتم بين ما فرَّق [١٧٦/أ] الله بينه، فمنعتم من أكل الضَّبِّ وقد أُكِل على مائدة رسول الله ﷺ وهو ينظر، وقيل له: أحرام هو؟ فقال: لا؛ فقستموه على الأحناش والفئران. وفرَّقتم بين ما جمعت السنَّة بينه من لحوم الخيل التي أكلها الصحابة على عهد رسول الله ﷺ مع لحوم الإبل وأذِنَ الله تعالى فيها، فجمع الله ورسوله بينهما في الحِلِّ، وفرَّق الله ورسوله بين الضَّبِّ والحَنَش٣ في التحريم.
(١) في الحديث السابق.
(٢) ع: «والله أعلم».
(٣) ت: «الحنش والضب».
وجمعتم بين ما فرقت السنَّة بينه من لحوم الإبل وغيرها حيث قال: «توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم»١، فقلتم: لا نتوضأ من هذا٢ ولا من هذا. وفرَّقتم بين ما جمعت٣ بينه، فقلتم في القيء: إن كان ملء الفم فهو حدث، وإن كان دون ذلك فليس بحدث. ولا يُعرَف في الشريعة شيء يكون كثيره حدثًا دون قليله. وأما النوم فليس بحدث، وإنما هو مظنته، فاعتُبِر ما يكون مظنة، وهو الكثير.
وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فقلتم: لو فتَح على الإمام في قراءته لم تبطل صلاته، ولكن تُكرَه لأنَّ فتحَه قراءة منه، والقراءة خلف الإمام مكروهة. ثم قلتم: فلو فتَح على قارئٍ غيرِ إمامه بطلت صلاته، لأن فتحه عليه مخاطبة له، فأبطلت الصلاة. ففرَّقتم بين متماثلين، لأن الفتح إن كان مخاطبةً في حقِّ غير الإمام، فهو مخاطبة في حقِّه٤. وإن لم يكن مخاطبةً في حقِّ الإمام، فليس مخاطبةً٥ في حقِّ غيره. ثم ناقضتم من [١٧٦/ب] وجه آخر أعظم مناقضة، فقلتم: لما نوى الفتحَ على غير الإمام خرج عن كونه قارئًا إلى كونه مخاطِبًا بالنية. ولو نوى الربا الصريح، والتحليل
(١) سيأتي فيه حديث جابر بن سمرة الذي أخرجه مسلم (٣٦٠)، وهذا لفظ حديث ابن عمر في «سنن ابن ماجه» (٤٩٧). ونحوه لفظ حديث البراء بن عازب في «جامع الترمذي» (٨١).
(٢) في النسخ المطبوعة: «لا من هذا».
(٣) يعني السنَّة. وفي ع: «جمعت الشريعة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) يعني: «في حق الإمام»، كما في النسخ المطبوعة. ولكن في جميع النسخ الخطية ما أثبت.