وجمعتم بين ما فرقت السنَّة بينه من لحوم الإبل وغيرها حيث قال: «توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم»١، فقلتم: لا نتوضأ من هذا٢ ولا من هذا. وفرَّقتم بين ما جمعت٣ بينه، فقلتم في القيء: إن كان ملء الفم فهو حدث، وإن كان دون ذلك فليس بحدث. ولا يُعرَف في الشريعة شيء يكون كثيره حدثًا دون قليله. وأما النوم فليس بحدث، وإنما هو مظنته، فاعتُبِر ما يكون مظنة، وهو الكثير.
وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فقلتم: لو فتَح على الإمام في قراءته لم تبطل صلاته، ولكن تُكرَه لأنَّ فتحَه قراءة منه، والقراءة خلف الإمام مكروهة. ثم قلتم: فلو فتَح على قارئٍ غيرِ إمامه بطلت صلاته، لأن فتحه عليه مخاطبة له، فأبطلت الصلاة. ففرَّقتم بين متماثلين، لأن الفتح إن كان مخاطبةً في حقِّ غير الإمام، فهو مخاطبة في حقِّه٤. وإن لم يكن مخاطبةً في حقِّ الإمام، فليس مخاطبةً٥ في حقِّ غيره. ثم ناقضتم من [١٧٦/ب] وجه آخر أعظم مناقضة، فقلتم: لما نوى الفتحَ على غير الإمام خرج عن كونه قارئًا إلى كونه مخاطِبًا بالنية. ولو نوى الربا الصريح، والتحليل
(١) سيأتي فيه حديث جابر بن سمرة الذي أخرجه مسلم (٣٦٠)، وهذا لفظ حديث ابن عمر في «سنن ابن ماجه» (٤٩٧). ونحوه لفظ حديث البراء بن عازب في «جامع الترمذي» (٨١).
(٢) في النسخ المطبوعة: «لا من هذا».
(٣) يعني السنَّة. وفي ع: «جمعت الشريعة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) يعني: «في حق الإمام»، كما في النسخ المطبوعة. ولكن في جميع النسخ الخطية ما أثبت.
(٥) ع: «بمخاطبة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
الصريح، وإسقاط الزكاة بالتمليك الذي اتخذه حيلةً= لم يكن مرابيًا، ولا محلِّلًا، ولا مُسقطًا للزكاة١، بهذه النية.
فيالله العجب! كيف أثَّرت نية الفتح والإحسان على القارئ، وأخرجته عن كونه قارئًا إلى كونه مخاطِبًا؛ ولم تؤثر نية الربا والتحليل مع إساءته بهما وقصدِه نفسَ ما حرَّمه٢ الله، فتجعله مرابيًا محلِّلا؟ وهل هذا إلا خروج عن محض القياس، وجمعٌ بين ما فرَّق الشارع بينهما، وتفريقٌ بين ما جمع بينهما؟
وقلتم: لو اقتدى المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت لا يصح اقتداؤه، ولو اقتدى المقيم بالمسافر بعد خروج الوقت صحَّ اقتداؤه. وهذا تفريق بين متماثلين، ولو ذهب ذاهب إلى عكسه لكان من جنس قولكم سواء، ولأمكنه تعليله بنحو ما علَّلتم به. ووجَّهتم الفرق بأن من شرط صحة اقتداء المسافر بالمقيم أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه، وبخروج الوقت استقرَّ الفرض عليه استقرارًا لا يتغير بتغيُّر حاله، فبقي فرضه ركعتين. فلو جوَّزنا له اقتداءه بالمقيم بعد خروج الوقت جوَّزنا اقتداء مَن فرضُه الركعتان٣ بمن فرضُه أربع، وهذا لا يصح، كمصلِّي الفجر إذا اقتدى بمصلِّي الظهر. وليس كذلك المقيم إذا اقتدى بالمسافر بعد خروج الوقت، إذ ليس من شرط صحة٤[١٧٧/أ] اقتداء المقيم بالمسافر أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه، بدليل أنه لو
(١) ع: «ولا مسقطًا للزكاة ولا محلِّلًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.