إعلام الموقعين

اقتدى به في الوقت لم ينتقل فرضه إلى فرض إمامه؛ بخلاف المسافر، فإنه لو اقتدى بالمقيم في الوقت انتقل فرضه إلى فرض إمامه.

ثم ناقضتم، فقلتم١: إذا كان الإمام مسافرًا، وخلفه مسافرون ومقيمون، فاستخلف الإمام مقيمًا= فإن فرض الإمام لا ينتقل إلى فرض إمامه وهو فرض المقيمين، مع أن الفرق في الأصل مدخول. وذلك أن الصلاتين سواء في الاسم والحكم والوضع٢ والوجوب، وإن اختلفتا٣ في كون الإمام يصلِّي٤، فإذا صلى الإمام أربعًا وجب على المأموم أن يصلِّي بصلاته كما لو كان في الوقت. وخروج الوقت لا أثر له في ذلك، فإن الذي فرضه الله عليه في الوقت هو بعينه فرضه بعد الوقت، ولا سيما إذا كان نائمًا أو ناسيًا، فإن وقت اليقظة والذكر هو الوقت الذي شرع الله له الصلاة فيه٥، وعذر السفر قائم، وارتباط صلاته بصلاة الإمام حاصل. فما الذي فرَّق بين الصورتين مع اتحاد السبب الجامع، وقيام الحكمة المجوِّزة للقصر والمرجِّحة لمصلحة الاقتداء عند الانفراد؟

وفرَّقتم بين ما جمعت الشريعة بينهما ــ وهو الحيض، والنفاس ــ فجعلتم أقلَّ الحيض محدودًا إما بثلاثة أيام أو بيوم وليلة أو بيوم، ولم تحُدُّوا أقلَّ النفاس، وكلاهما دم خارج من الفرج يمنع أشياء ويوجب أشياء.

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «وقلتم».
  2. (٢) ما عدا ت: «الموضع».
  3. (٣) ما عدا ع: «اختلفا».
  4. (٤) ت: «مصلي»، وفي النسخ المطبوعة: «مصليا».
  5. (٥) ت: «له فيه الصلاة».
82

وليسا اسمين شرعيين لم يُعرفا إلا بالشريعة، بل هما اسمان لغويان، ردَّ الشارعُ أمته فيهما إلى ما يتعارفه النساء حيضًا [١٧٧/ب] ونفاسًا، قليلًا كان أو كثيرًا. وقد ذكرتم هذا بعينه في النفاس، فما الذي فرَّق بينه وبين الحيض؟ ولم يأتِ عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديدُ أقلِّ الحيض بحدٍّ أبدًا، ولا في القياس ما يقتضيه.

والعجب أنكم قلتم: المرجع فيه إلى الوجود١ حيث لم يحُدَّه الشارع، ثم ناقضتم فقلتم: حدُّ أقلِّه يوم وليلة. وأما أصحاب الثلاث فإنما اعتمدوا على حديثٍ٢ توهَّموه صحيحًا، وهو غير صحيح باتفاق أهل الحديث، فهم أعذر من وجه.

قال المفرِّقون: بل فرَّقنا بينهما بالقياس الصحيح، فإنَّ للنفاس علَمًا ظاهرًا يدل على خروجه من الرحم وهو تقدُّم الولد عليه، فاستوى قليله وكثيره، لوجود عَلَمِه الدالِّ عليه. وليس مع الحيض علَمٌ يدل على خروجه من الرحم، فإذا امتدَّ زمنه صار امتداده علَمًا ودليلًا على أنه حيض معتاد، وإذا لم يمتدَّ لم يكن معنا ما يدل عليه أنه حيض، فصار كدم الرعاف.

  1. (١) ح، ف: «الوجوب»، تصحيف.
  2. (٢) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٧٥٨٦)، وفي «الأوسط» (٥٩٩)، وفي «مسند الشاميين» (١٥١٥، ٣٤٢٠)، والدارقطني في «السنن» (٨٤٥، ٨٤٦) من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعًا. ورواه الدارقطني (٨٤٧) من حديث واثلة بن الأسقع ﵁ مرفوعًا. وضعّف الدارقطني الحديثيْن كليْهما.
    وللحديث طرق كثيرة لا يصح منها شيء، بل كلّها واهية. ويُنظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤)، و«الإمام» لابن دقيق العيد (٣/ ٢٠٢ - ٢١٠، ٢١٣ - ٢١٤)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٤٠٨ - ٤١٣).
83

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي