وتعلَّقتم بما رواه مسلم١ من حديث ابن عباس يرفعه: «الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليها، والبكر تُستأذَن في نفسها، وإذنُها صُماتُها»، وهو حجة عليكم. وتركتم ما في «الصحيحين»٢ من حديث أبي هريرة يرفعه: «لا تُنكَح الأيِّمُ حتّى تُستأمَر، ولا البكرُ حتَّى تُستأذن». وفيهما٣ أيضًا من حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، تُستأمَر النساءُ في أبضاعهن؟ قال: «نعم». قلت: فإن البكر تُستأذَن، فتستحيي. قال: «إذنها صُماتها». فنهى أن تُنكَح بدون استئذانها، وأمر بذلك، وأخبَر أنه هو شرعه وحكمه. فاتفق على ذلك أمرُه، ونهيُه، وخبرُه. وهو محض القياس والميزان.
فصل
وقالت الشافعية والحنابلة٤ والحنفية: لا يصحُّ بيعُ المقاثئ والمباطخ والباذنجان إلا لقطةً لقطةً٥، ولم يجعلوا المعدوم تبعًا للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك، وجعلوا المعدومَ منزَّلًا منزلةَ الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك. وهذا مثلُه من كلِّ وجه، لأنه يستخلف كما تستخلف المنافع، وما يقدَّر من عروض الخطر له فهو مشترك بينه وبين المنافع. وقد جوَّزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها، ومعلوم [١٨٧/أ] أن بقية
(١) برقم (١٤٢١).
(٢) البخاري (٥١٣٦) ومسلم (١٤١٩).
(٣) البخاري (٥١٣٧) ومسلم (١٤٢٠).
(٤) س، ت، ع: «الحنابلة والشافعية»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٥) في النسخ المطبوعة: «لقطة» مرة واحدة.
الأجزاء معدومة، فجاز بيعها تبعًا للموجود. فإن فرَّقوا بأن هذه أجزاء متصلة، وتلك أعيان منفصلة، فهو فرق فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا لا تأثير له البتة.
الثاني: أن [من]١ الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثمارًا٢ متعددةً كالتوت والتين، فهو كالبطيخ والباذنجان من كلِّ وجه. فالتفريق خروج عن القياس والمصلحة وإلزامٌ بما لا يُقدَر عليه إلا بأعظم كلفة ومشقة. وفيه مفسدة عظيمة يردُّها القياس، فإن اللقطة لا ضابط لها، فإنه يكون في المَقثأة الكبارُ والصغار وبين ذلك، فالمشتري يريد استقصاءها، والبائع يمنعه من أخذِ الصغار، فيقع بينهما [من]٣ التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة. فأين هذه المفسدة العظيمة ــ التي هي منشأ النزاع التي مَن تأمَّلَ مقاصدَ الشريعة علِمَ قصدَ الشارع لإبطالها وإعدامها ــ إلى المفسدة اليسيرة التي في جَعلِ ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد، لما فيه من المصلحة؟ وقد اعتبرها الشارع، ولم يأتِ عنه حرف واحد أنه نهَى عن بيع المعدوم٤. وإنما نهى عن بيع الغَرر٥، والغرر شيء، وهذا شيء. ولا يسمَّى هذا البيع غررًا، لا لغةً ولا عرفًا ولا شرعًا.
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من النسخ المطبوعة.
(٢) في جميع النسخ الخطية: «أثمامًا»، ولعله سبق قلم، والمثبت من النسخ المطبوعة.
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة من النسخ المطبوعة.
(٤) سيأتي الكلام على بيع المعدوم، وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ٧١٦).