الأجزاء معدومة، فجاز بيعها تبعًا للموجود. فإن فرَّقوا بأن هذه أجزاء متصلة، وتلك أعيان منفصلة، فهو فرق فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا لا تأثير له البتة.
الثاني: أن [من]١ الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثمارًا٢ متعددةً كالتوت والتين، فهو كالبطيخ والباذنجان من كلِّ وجه. فالتفريق خروج عن القياس والمصلحة وإلزامٌ بما لا يُقدَر عليه إلا بأعظم كلفة ومشقة. وفيه مفسدة عظيمة يردُّها القياس، فإن اللقطة لا ضابط لها، فإنه يكون في المَقثأة الكبارُ والصغار وبين ذلك، فالمشتري يريد استقصاءها، والبائع يمنعه من أخذِ الصغار، فيقع بينهما [من]٣ التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة. فأين هذه المفسدة العظيمة ــ التي هي منشأ النزاع التي مَن تأمَّلَ مقاصدَ الشريعة علِمَ قصدَ الشارع لإبطالها وإعدامها ــ إلى المفسدة اليسيرة التي في جَعلِ ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد، لما فيه من المصلحة؟ وقد اعتبرها الشارع، ولم يأتِ عنه حرف واحد أنه نهَى عن بيع المعدوم٤. وإنما نهى عن بيع الغَرر٥، والغرر شيء، وهذا شيء. ولا يسمَّى هذا البيع غررًا، لا لغةً ولا عرفًا ولا شرعًا.
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من النسخ المطبوعة.
(٢) في جميع النسخ الخطية: «أثمامًا»، ولعله سبق قلم، والمثبت من النسخ المطبوعة.
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة من النسخ المطبوعة.
(٤) سيأتي الكلام على بيع المعدوم، وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ٧١٦).
(٥) انظر في بيع الغرر: «زاد المعاد» (٥/ ٧٢٥).
فصل
وقالت الشافعية والحنفية والمالكية١: إذا شرطت الزوجة أن لا يُخرجها الزوجُ من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوَّج عليها ولا يتسرَّى فهو شرط باطل. فتركوا محضَ القياس، بل قياسَ الأولى، فإنهم قالوا: لو شرطت في المهر تأجيلًا، أو غيرَ نقد [١٨٧/ب] البلد، أو زيادةً على مهر المثل= لزم الوفاءُ بالشرط. وأين٢ المقصود الذي لها في الشرط الأول إلى المقصود الذي في هذا الشرط؟ وأين فواته إلى فواته؟
وكذلك من قال منهم: لو شرط أن تكون جميلة شابة سوية، فبانت عجوزًا شمطاء قبيحة المنظر= أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه؛ حتى إذا فات درهم واحد من الصداق، فلها الفسخ بفواته قبل الدخول. فإن استوفى المعقود عليه، ودخل بها، وقضى وطره منها، ثم فات الصداق جميعه، ولم تظفر منه بحبة واحدة= فلا فسخ لها. وقستم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يؤويها٣ ولا ينفق عليها ولا يطأها ولا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك، مما هو من أفسد القياس الذي فرَّقت الشريعة بين ما هو أحقُّ بالوفاء منه وبين ما لا يجوز الوفاء به. فجمعتم٤ بين ما فرَّق الشرع والقياس٥ بينهما، وألحقتم
(١) ع: «الحنفية والمالكية والشافعية». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) ع: «فأين». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) ح، ف: «يورثها». والكلمة غير محررة في ت، د. والمثبت من س، وكذا في النسخ المطبوعة.