وقالت الشافعية والحنفية والمالكية١: إذا شرطت الزوجة أن لا يُخرجها الزوجُ من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوَّج عليها ولا يتسرَّى فهو شرط باطل. فتركوا محضَ القياس، بل قياسَ الأولى، فإنهم قالوا: لو شرطت في المهر تأجيلًا، أو غيرَ نقد [١٨٧/ب] البلد، أو زيادةً على مهر المثل= لزم الوفاءُ بالشرط. وأين٢ المقصود الذي لها في الشرط الأول إلى المقصود الذي في هذا الشرط؟ وأين فواته إلى فواته؟
وكذلك من قال منهم: لو شرط أن تكون جميلة شابة سوية، فبانت عجوزًا شمطاء قبيحة المنظر= أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه؛ حتى إذا فات درهم واحد من الصداق، فلها الفسخ بفواته قبل الدخول. فإن استوفى المعقود عليه، ودخل بها، وقضى وطره منها، ثم فات الصداق جميعه، ولم تظفر منه بحبة واحدة= فلا فسخ لها. وقستم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يؤويها٣ ولا ينفق عليها ولا يطأها ولا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك، مما هو من أفسد القياس الذي فرَّقت الشريعة بين ما هو أحقُّ بالوفاء منه وبين ما لا يجوز الوفاء به. فجمعتم٤ بين ما فرَّق الشرع والقياس٥ بينهما، وألحقتم
(١) ع: «الحنفية والمالكية والشافعية». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) ع: «فأين». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) ح، ف: «يورثها». والكلمة غير محررة في ت، د. والمثبت من س، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) ع: «وجمعتم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٥) ع: «القياس والشرع».
أحدهما بالآخر. وقد جعل النبيُّ ﷺ الوفاء بشروط النكاح التي١ يستحلّ بها الزوجُ فرج امرأته أولى من الوفاء بسائر الشروط على الإطلاق٢، فجعلتموها أنتم دون سائر الشروط وأحقَّها بعدم الوفاء!
وجعلتم الوفاء بشرط الواقف المخالف لمقصود الشارع كترك النكاح، وكشرط الصلاة في المكان الذي شرط فيه الصلاة، وإن كان وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين. وقد ألغى الشارعُ هذا الشرط في النذر الذي هو قربة محضة [١٨٨/أ] وطاعة، فلا تتعيَّن عنده بقعة عيَّنها الناذر للصلاة إلا المساجد الثلاثة، وقد شرط الناذرُ في نذره تعيينه، فألغاه الشارع لفضيلة غيره عليه أو مساواته له= فكيف يكون شرطُ الواقف الذي غيرُه أفضلُ منه وأحبُّ إلى الله ورسوله لازمًا يجب الوفاء به؟ وتعيين الصلاة في مكان معيَّن لم يرغب الشارع فيه ليس بقربة، وما ليس بقربة لا يجب الوفاء به في النذر، ولا يصح اشتراطه في الوقف.
فإن قلتم: الواقف لم يُخرج ماله إلا على وجه معيَّن، فلزم اتباع ما عيَّنه في الوقف٣ من ذلك الوجه، والناذرُ قصَد القربة، والقُرَبُ متساوية في المساجد غير الثلاثة، فتعيينُ٤ بعضِها لغو.
قيل: فهذا٥ الفرق بعينه يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة فيه من شروط
(١) في النسخ الخطية: «الذي»، وهو سهو.
(٢) كما في حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه البخاري (٢٧٢١، ٥١٥١) ومسلم (١٤١٨).