الحاكم ليس كنصِّ الشارع، بل يُرَدُّ ما خالف حكمَ الله ورسوله١، فشرطُ الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالردِّ والإبطال. فقد ظهر تناقضُهم في شروط الواقفين وشروط الزوجات، وخروجُهم فيها عن موجَب القياس الصحيح والسنة. وبالله التوفيق.
يوضِّح ذلك أن النبيَّ ﷺ كان إذا قسَم يعطي الآهلَ حظَّين، والعزبَ حظًّا٢. وقال: «ثلاثةٌ حقٌّ على الله عَوْنُهم»، ذكر منهم الناكحَ يريد العفاف٣. ومصحِّحو هذا الشرط عكسوا مقصوده، فقالوا: نعطيه ما دام عَزَبًا، فإذا تزوَّج لم يستحقَّ شيئًا. ولا يحِلُّ لنا أن نعينه، لأنه ترك القيامَ بشرط الواقف وإن كان قد فعل ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله. فالوفاءُ بشرط الواقف المتضمِّن لترك الواجب أو السنة المقدَّمة على فضل الصوم والصلاة٤ لا يحِلُّ مخالفته، ومتى٥ خالفه كان آثمًا عاصيًا٦؛ حتَّى إذا خالف الأحبَّ إلى الله ورسوله والأرضى٧ له كان
(١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «من ذلك».
(٢) رواه أحمد (٢٣٩٨٦، ٢٤٠٠٤)، وأبو داود (٢٩٥٣) من حديث عوف بن مالك ﵁. وصححه ابن حبان (٦١٣١)، والحاكم (٢/ ١٤٠ - ١٤١).
(٣) رواه الترمذي (١٦٥٥) ــ وحسّنه ــ، وابن ماجه (٢٥١٨)، والنسائي في «المجتبى» (٣١٢٠، ٣٢١٨)، وفي «السنن الكبرى» (٤٣١٣، ٤٩٩٥، ٥٣٠٧) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وصححه ابن حبان (٧٨٦)، والحاكم (٢/ ١٦٠، ٢١٧). ويُنظر: «العلل» للدارقطني (١٠/ ٣٥٠ - ٣٥١).
(٤) في النسخ المطبوعة: «أو الصلاة».
(٥) ع: «ومن»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٦) ع: «عاصيًا آثمًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٧) في النسخ المطبوعة: «وخالف الأرضى»، بزيادة «خالف»!
بارًّا مُثابًا قائمًا بالواجب عليه!
يوضِّح بطلانَ هذا الشرط وأمثاله من الشروط المخالفة لشرع الله ورسوله [١٩٠/أ] أنكم قلتم: كلُّ شرط يخالف مقصود العقد فهو باطل، حتى أبطلتم بذلك شرط دار الزوجة أو بلدها، وأبطلتم اشتراطَ انتفاعِ البائع١ بالمبيع مدة معلومة، وأبطلتم اشتراط الخيار فوق ثلاث٢، وأبطلتم اشتراط نفع البائع في المبيع، ونحو ذلك من الشروط التي صحَّحها النص، والآثار عن الصحابة، والقياس. كما صحَّح عمر بن الخطاب٣، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان٤ اشتراطَ المرأة دارها أو بلدها، أو أن لا يتزوَّج عليها، ودلَّت السنّة على أن الوفاء به أحقُّ من الوفاء بكلِّ شرط. وكما صحَّحت السنة اشتراطَ انتفاع البائع بالمبيع مدة معلومة، فأبطلتم ذلك، وقلتم: يخالف مقتضى العقد، وصحَّحتم الشروط المخالفة٥ لعقد الوقف، إذ هو
(١) في النسخ المطبوعة: «اشتراط البائع الانتفاع»، ولعله تصرف من بعض الناشرين.
(٢) ع: «بعد ثلاثة»، وكذا في المطبوع. وفي الطبعات السابقة: «فوق ثلاثة».
(٣) علَّقه البخاري عن عمر في كتاب الشروط، باب الشروط في المهر؛ وكتاب النكاح، باب الشروط في النكاح. ورواه موصولًا عبد الرزاق (١٠٦٠٨، ١٠٦١٠، ١٠٦١١)، وسعيد بن منصور (٦٦٢، ٦٦٣)، وابن أبي شيبة (١٦٧٠٦، ١٦٧٠٧)، والبيهقي (٧/ ٢٤٩). وفي الموضع الأول عند عبد الرزاق سقط أو تعليق في سنده.
(٤) أثر عمرو بن العاص ومعاوية ﵄ رواه عبد الرزاق (١٠٦١٢)، وسعيد بن منصور (٦٦٤)، وابن أبي شيبة (١٦٧٠٩). وأثر سعد بن أبي وقاص رواه ابن أبي الدنيا في «المحتضرين» (٢٥٦) ومن طريقه ابن عبد البرّ في «التمهيد» (١٨/ ١٦٨ - ١٦٩). وانظر: «إغاثة اللهفان» (٢/ ٦٩٤).
(٥) في النسخ المطبوعة هنا زيادة: «بمقتضى عقد الوقف».