إعلام الموقعين

وفي «سنن النسائي»١ وأبي داود وابن ماجه عن عائشة أن النبيَّ ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدِّقًا، فلاحَّه٢ رجلٌ في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجَّه. فأتوا النبيَّ ﷺ، فقالوا: القوَدَ يا رسول الله. فقال النبيُّ ﷺ: «لكم كذا وكذا»، فلم يرضوا. [فقال النبي ﷺ: «لكم كذا وكذا»، فرَضُوا]٣. فقال النبيُّ ﷺ: «إنِّي خاطبٌ العشيةَ على الناس، ومُخبِرهم برضاكم». فقالوا: نعم. فخطب رسول الله ﷺ، فقال: «إنَّ هؤلاء الليثيين٤ أتَوني يريدون القصاص، فعرضتُ عليهم كذا وكذا، فرضُوا. أرضيتم؟». فقالوا: لا. فهمَّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفُّوا عنهم، فكفُّوا٥. ثم دعاهم، فزادهم، فقال: «أرضيتم؟». فقالوا: نعم. فقال: «إني خاطبٌ على الناس، ومُخبِرهم برضاكم» فقالوا: نعم. فخطب النبي ﷺ، فقال: «أرضيتم؟». قالوا: نعم.

  1. (١) رواه أحمد (٢٥٩٥٨)، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي (٤٧٧٨)، وابن ماجه (٢٦٣٨)، ونقل قول محمد بن يحيى الذهلي: «تفرّد بهذا معمر، لا أعلم رواه غيرُه». يعني: تفرّد بوصله وإسناده عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وقد خالفه يونس بن يزيد الأيلي، فرواه عن الزهري قال: بلغنا ... (فذكره). رواه البيهقي (٨/ ٤٩) من طريق ابن وهب، عن يونس به. وصحح ابن حبان الحديث (٦١٩٤)، ونحا نحوَه البيهقي في «معرفة السنن والاثار» (٦/ ١٧٠). ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (١٨٠٣٣، ١٨٠٣٤).
  2. (٢) كذا بالحاء المهملة في النسخ و«سنن النسائي». وفي غيره: «فلاجَّه» من اللجاج. وفي النسخ المطبوعة: «فلاحاه»، ولعله إصلاح من بعض الناشرين.
  3. (٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ لانتقال النظر، وقد أشير إليه في طرَّة ف.
  4. (٤) «الليثيين» ساقط من ع والنسخ المطبوعة.
  5. (٥) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «عنهم».
124

وهذا صريح في القوَد في الشجَّة. ولهذا صولحوا من القود مرة بعد مرة حتى رضُوا. ولو كان الواجب الأَرْش١ فقط لقال لهم النبي ﷺ حين طلبوا القود: إنه لا حقَّ لكم فيه، وإنما [١٩٣/أ] حقُّكم في الأرش.

فهذه سنة رسول الله ﷺ، وهذا إجماع الصحابة، وهذا ظاهر القرآن، وهذا محض القياس. فعارض المانعون هذا كلَّه بشيء واحد، وقالوا٢: اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة، والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة. ونظرُ الصحابة أكمل، وأصحُّ، وأتبَع للقياس، كما هو أتبع للكتاب والسنة، فإن المماثلة من كلِّ وجه متعذِّرة، فلم يبق إلا أحد أمرين: قصاص قريب إلى المماثلة، أو تعزير بعيد منها. والأول أولى، لأن التعزير لا يُعتبَر فيه جنسُ الجناية ولا قدرُها، بل قد يعزَّر بالسوط والعصا، وقد يكون لطمه، أو ضربه بيده. فأين حرارة السوط ويبسه إلى لين اليد، وقد يزيد وينقص.

وفي العقوبة بجنس ما فعله تحرٍّ للمماثلة بحسب الإمكان، وهذا أقرب إلى العدل الذي أمر الله به، وأنزل به الكتاب والميزان. فإنه قصاص بمثل ذلك العضو في مثل المحلِّ الذي ضرَب فيه بقدره. وقد يساويه، أو يزيد قليلًا، أو ينقص قليلًا. وذلك عفوٌ لا يدخل تحت التكليف، كما لا يدخل تحت التكليف المساواةُ في الكيل والوزن من كلِّ وجه، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فأمر بالعدل

  1. (١) الأرش: الدية.
  2. (٢) قارن بكلام شيخ الإسلام في «قاعدة في شمول النصوص للأحكام» ضمن «جامع المسائل» (٢/ ٢٦٠ وما بعدها)، فالمصنف صادر عنه.
125

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي