الإمكان، وإن لم يكن مِثْلًا من كلِّ وجه. وهذا قول الجمهور منهم: مالك والشافعي وأحمد.
وهم يجوِّزون قرضَ الحيوان أيضًا كما دلَّت عليه السنة الصحيحة، فإنه قد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه استسلف بَكْرًا، وقضى جملًا رَباعِيًّا، وقال: «إنَّ خياركم أحسنُكم قضاءً»١. ثم اختلفوا بعد ذلك في موجَب قرض الحيوان، هل ردُّ القيمة٢، أو المثل؟ على قولين، وهما في مذهب [١٩٤/أ] أحمد وغيره. والذي دلَّت عليه سنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة أنه يجب ردُّ المثل، وهذا هو المنصوص عن أحمد.
ثم اختلفوا في الغصب والإتلاف على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد: أحدها: يُضمَن الجميع بالمثل بحسب الإمكان. والثاني: يُضمَن الجميع بالقيمة. والثالث: أن الحيوان يُضمَن بالمثل، وما عداه كالجواهر ونحوها بالقيمة. واختلفوا في الجدار يُهدَم، هل يُضمَن بقيمته، أو يعاد مثله؟ على قولين، وهما للشافعي٣.
(١) أخرجه مسلم (١٦٠٠) من حديث أبي رافع. والبكر: الفتي من الإبل. والرَّباعي منها: الذي دخل في السنة السابعة.
(٢) يعني: هل موجبه ردُّ القيمة ... فالسياق واضح، ولكن زيد في النسخ المطبوعة بعد «هل»: «يجب».
(٣) انظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٦١).
والصحيح ما دلَّت عليه النصوص ــ وهو مقتضى القياس الصحيح، وما عداه فمناقض للنص والقياس ــ: أن١ الجميع يُضمَن بالمثل تقريبًا. وقد نصَّ الله سبحانه على ضمان الصيد بمثله من النعم. ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النعامة والبعير، وبين شاة وشاة أعظم منها بين طير وشاة. وقد ردَّ النبيُّ ﷺ بدل البعير الذي اقترضه مثلَه دون قيمته، وردَّ عوضَ القَصْعة التي كسرتها بعضُ أزواجه قصعتَها٢ نظيرَها، وقال: «إناء بإناء، وطعام بطعام»٣؛ فسوَّى بينهما في الضمان. وهذا عين العدل، ومحض القياس، وتأويل القرآن.
وقد نصَّ الإمام أحمد على هذا في «مسائل إسحاق بن منصور»٤. قال إسحاق: قلت لأحمد: قال سفيان: من كسر شيئًا صحيحًا فقيمته صحيحًا. قال أحمد: إن كان يوجد مثلُه، فمثلُه. وإن كان لا يوجد مثلُه، فعليه قيمته.
ونصَّ عليه أحمد في رواية إسماعيل بن [١٩٤/ب] سعيد، فقال: سألتُ أحمد عن الرجل يكسر قصعةً لرجل٥، أو عصاه، أو يشقُّ ثوبًا لرجل. قال:
(١) في النسخ المطبوعة: «لأن»، ولعله تصرف من بعض الناشرين.
(٢) في المطبوع: «بقصعة»، ولم يذكر مصدر ما أثبت. والصواب ما أثبتناه من النسخ الخطية، وكذا في الطبعات السابقة.
(٣) رواه أحمد (٢٥١٥٥، ٢٦٣٦٦)، وأبو داود (٣٥٦٨)، والنسائي (٣٩٥٧) من حديث عائشة ﵂. وفي سنده جسرة بنت دجاجة، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٦٧): «وعند جسرة عجائب».