والصحيح ما دلَّت عليه النصوص ــ وهو مقتضى القياس الصحيح، وما عداه فمناقض للنص والقياس ــ: أن١ الجميع يُضمَن بالمثل تقريبًا. وقد نصَّ الله سبحانه على ضمان الصيد بمثله من النعم. ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النعامة والبعير، وبين شاة وشاة أعظم منها بين طير وشاة. وقد ردَّ النبيُّ ﷺ بدل البعير الذي اقترضه مثلَه دون قيمته، وردَّ عوضَ القَصْعة التي كسرتها بعضُ أزواجه قصعتَها٢ نظيرَها، وقال: «إناء بإناء، وطعام بطعام»٣؛ فسوَّى بينهما في الضمان. وهذا عين العدل، ومحض القياس، وتأويل القرآن.
وقد نصَّ الإمام أحمد على هذا في «مسائل إسحاق بن منصور»٤. قال إسحاق: قلت لأحمد: قال سفيان: من كسر شيئًا صحيحًا فقيمته صحيحًا. قال أحمد: إن كان يوجد مثلُه، فمثلُه. وإن كان لا يوجد مثلُه، فعليه قيمته.
ونصَّ عليه أحمد في رواية إسماعيل بن [١٩٤/ب] سعيد، فقال: سألتُ أحمد عن الرجل يكسر قصعةً لرجل٥، أو عصاه، أو يشقُّ ثوبًا لرجل. قال:
(١) في النسخ المطبوعة: «لأن»، ولعله تصرف من بعض الناشرين.
(٢) في المطبوع: «بقصعة»، ولم يذكر مصدر ما أثبت. والصواب ما أثبتناه من النسخ الخطية، وكذا في الطبعات السابقة.
(٣) رواه أحمد (٢٥١٥٥، ٢٦٣٦٦)، وأبو داود (٣٥٦٨)، والنسائي (٣٩٥٧) من حديث عائشة ﵂. وفي سنده جسرة بنت دجاجة، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٦٧): «وعند جسرة عجائب».
(٤) (٦/ ٢٨٧٢).
(٥) في النسخ المطبوعة: «الرجل».
عليه المثل في العصا والقصعة والثوب. فقلت: أرأيتَ إن كان الشَّقُّ قليلًا؟ فقال: صاحبُ الثوب مخيَّر في ذلك، قليلًا كان أو كثيرًا.
وقال في رواية إسحاق بن منصور١: من كسر شيئًا صحيحًا فإن كان يوجد مثله فمثله، وإن كان لا يوجد٢ مثله فعليه قيمته. فإذا كسَر الذهبَ فإنه يُصلِحه إن كان خلخالًا. وإن كان دينارًا أعطى دينارًا آخر مكانه. قال إسحاق: كما قال.
وقال في رواية موسى بن سعيد٣: وعليه المثل في العصا والقصعة والقصبة إذا كسَر، وفي الثوب. ولا أقول في العبد والبهائم والحيوان. وصاحبُ الثوب٤ مخيَّر إن شاء شقَّ الثوب، وإن شاء مثلَه٥.
واحتجَّ في رواية ابنه عبد الله٦ بحديث أنس. فقال حميد عن أنس: إن رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بقصعةٍ فيها طعام، فضرَبت بيدها، فكسرت القصعة. فأخذ النبيُّ ﷺ الكِسرتين، فضمَّ إحداهما إلى الأخرى، وجعل يجمع فيها الطعام، ويقول: «غارت