والعَنبري١. وقال به قتادة٢ وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي٣؛ وهو الحق.
وليس مع من أوجب القيمة نصّ ولا إجماع ولا قياس. وليس معهم أكثر ولا أكبر من قوله ﷺ٤: «من أعتق شِرْكًا له في عبد، فكان له من المال ما يبلغ ثمنَ العبد، قُوِّم عليه قيمةَ عدل لا وَكْس ولا شطَط، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد»٥. قالوا: فأوجب النبيُّ ﷺ في إتلاف نصيب الشريك القيمةَ لا المثل، فقِسنا على هذا كلَّ حيوان، ثم عدَّيناه إلى كلِّ غيرِ مثليٍّ. قالوا: ولأن القيمة أضبط وأحصر بخلاف المثل.
قال الآخرون: أما الحديث الصحيح فعلى الرأس والعين، وسمعًا له وطاعة؛ ولكن فيما دلَّ عليه، وإلَّا فما٦ لم يدل عليه ولا أريد به فلا ينبغي أن يحمل عليه. وهذا التضمين الذي يُضمَّنه ليس من باب تضمين المتلَفات، بل هو من باب تملُّك مال الغير بقيمته، فإن نصيب الشريك يملكه المُعتِق ثم يعتِق عليه؛ فلا بد من تقدير دخوله في ملكه، ليعتِق عليه. ولا خلاف بين
(١) هو القاضي عبيد الله بن الحسن العنبري، من أتباع التابعين. توفي بالبصرة سنة ١٦٨. ترجمته في «أخبار القضاة» لوكيع (٢/ ٨٨). وانظر قوله بالمثل في «المجموع» للنووي (١٤/ ٢٣٤) و«المعاني البديعة» للريمي (٢/ ٣٧).
(٣) صاحب «المسند». كان من أوعية العلم. يجتهد ولا يقلِّد. قاله الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٦/ ١٠٤).
(٤) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة المطبوعة ضمن «جامع المسائل».
(٥) أخرجه البخاري (٢٥٢٢) ومسلم (١٥٠١) من حديث ابن عمر.
(٦) في المطبوع: «فيما»، وهو خطأ.
القائلين بالسِّراية في ذلك، وأن١ الولاء له، وإن تنازعوا: هل يسري عقيب عتقه، أو لا يعتِق حتى يؤدِّي القيمة، أو يكون موقوفًا فإذا أدَّى تبيَّنَّا٢ أنه عتَق من حين العتق؟ وهي في مذهب الشافعي. والمشهور في مذهبه ومذهب أحمد القول الأول. وفي مذهب مالك القول الثاني٣. وعلى هذا الخلاف ينبني ما لو أعتق الشريكُ نصيبَه بعد عتق الأول. فعلى القول الأول لا يعتِق، وعلى الثاني٤ يعتِق عليه ويكون الولاء بينهما. وينبني على ذلك أيضًا إذا قال أحد الشريكين: «إذا أعتقتَ نصيبَك فنصيبي حُرٌّ». فعلى القول الأول لا يصح هذا التعليق، ويعتِق نصيبُه من مال المعتِق. وعلى القول الثاني يصح التعليق ويعتِق على المعلِّق.
والمقصود: أن التضمين هاهنا كتضمين الشفيع الثمن إذا أخذ بالشفعة، فإنه ليس من باب ضمان الإتلاف، ولكن من باب التقويم للدخول في الملك. لكن الشفيع أدخل الشارعُ الشِّقصَ٥ في ملكه بالثمن باختياره، والشريك المعتِق أدخل الشِّقصَ في ملكه بالقيمة بغير اختياره. فكلاهما تمليك: هذا بالثمن، وهذا بالقيمة؛ فهذا شيء، وضمان المتلف شيء.
قالوا: وأيضًا فلو سُلِّم أنه ضمان إتلاف لم يدلَّ على أن العبد الكامل إذا أتلف يضمن بالقيمة. والفرق بينهما أن الشريكين إذا كان بينهما ما لا ينقسم