وصحَّ بالنصوص السابقة والقياس الصحيح وجوبُ الضمان بالمثل، وصحَّ بنصِّ الكتاب الثناءُ على سليمان بتفهيم هذا الحكم= فصحَّ أنه الصواب. وبالله التوفيق.
ومن ذلك: المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفوس والأموال والأعراض، فهذه ثلاث مسائل:
الأولى: هل يُفعَل بالجاني كما فعَل بالمجنيِّ عليه؟١ فإن كان الفعل محرَّمًا لحقِّ الله كاللواط وتجريعه الخمر لم يُفعَل به كما فَعل اتفاقًا. وإن كان غير ذلك كتحريقه بالنار، وإلقائه في الماء، ورَضِّ رأسه بالحجر، ومنعِه الطعامَ٢ والشرابَ حتى يموت= فمالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه يفعلون به كما فَعل، ولا فرق بين الجرح المُزْهِق وغيره. وأبو حنيفة وأحمد في رواية٣ يقولان: لا يُقتَل إلا بالسيف في العنق خاصة.
(١) ما عدا ع: «هل يفعل بالمجني عليه كما فعل بالجاني». ولعله كذا وقع في الأصل مقلوبًا سهوًا، فأصلح في ع. وفي النسخ المطبوعة: «كما يفعل ...»، والصواب ما أثبت من ع.
(٢) ت: «من الطعام»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) في النسخ المطبوعة زيادة: «عنه».
وأحمد في رواية ثالثة يقول: إن كان الجرح مُزْهِقا فُعِل به كما فعَل، وإلا قُتل بالسيف. وفي رواية رابعة يقول: إن كان مزهقًا، أو موجبًا للقوَد بنفسه لو انفرد فُعِل به كما فعَل، وإن كان غير ذلك قُتِل بالسيف١.
والكتاب والميزان مع القول الأول. وبه جاءت السنة، فإن النبيَّ ﷺ رضَّ رأسَ اليهودي بين حجرين كما فَعل بالجارية٢. وليس هذا قتلًا لنقضه العهد؛ لأن ناقِضَ العهد إنما يُقتَل بالسيف في العنق. وفي أثر مرفوع: «من حرَّق حرَّقناه، ومن غرَّق غرَّقناه»٣.
(٢) أخرجه البخاري (٢٤١٣) ومسلم (١٦٧٢) من حديث أنس.
(٣) رواه البيهقي (٨/ ٤٣)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٦/ ٤٠٩) من حديث البراء ﵁. قال البيهقي في «معرفة السنن»: «وفي هذا الإسناد بعضُ مَنْ يُجْهَلُ». وضعّفه ابن الجوزي في «التحقيق» (٢/ ٣١٧)، وأقرّه الذهبي في «التنقيح» (٢/ ٢٣٥). وقال ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/ ٤٩٤): «وفي هذا الإسناد مَنْ تُجْهَلُ حالُه؛ كبِشْرٍ، وغيرِه». وبشر هذا رجّح بعض المحققين أن اسمه: (باشر)، ويُنظر: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، و«المؤتلف والمختلف» لعبد الغني بن سعيد الأزدي (٢/ ٧٥٠)، و«الإكمال» لابن ماكولا (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، و«توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين الدمشقي (٣/ ٢١).
(٤) رواه ابن ماجه (٢٦٦٧) من حديث النعمان بن بشير ﵁ مرفوعا. وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي، وهو واهٍ جدًّا، وشيخُه أبو عازب مجهول. ورواه ابن ماجه (٢٦٦٨) من حديث الحسن، عن أبي بكرة ﵁ مرفوعًا، وهو منكر، والمحفوظ أنه من مراسيل الحسن. ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (٢٨٢٩٥)، و«المسند» للبزار (٣٦٦٣)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٣٨٨)، و«الكامل» لابن عدي (٣/ ٢٥٢، ٥/ ٣٤٠، ٧/ ٨٢)، و«السنن» للدارقطني (٣١٠٩ - ٣١١٣، ٣١٧٤ - ٣١٨١)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٨/ ٦٢ - ٦٣)، و«معرفة السنن والآثار» له (٦/ ١٨٧ - ١٨٨).