إعلام الموقعين

بجيد١. والثابت عن الصحابة [١٩٧/ب] أنه يُفعَل به كما فعَل. فقد اتفق على ذلك الكتاب، والسنَّة، والقياس، وآثار الصحابة. واسم القصاص يقتضيه، لأنه يستلزم المماثلة.

المسألة الثانية: إتلاف المال. فإن كان مما له حرمة كالحيوان والعبيد، فليس له أن يُتلِف ماله كما أتلفَ ماله. وإن لم تكن له حرمة كالثوب يشقُّه، والإناءِ يكسره، فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظيرَ ما أتلفه، بل له القيمة، أو المثل٢ كما تقدَّم. والقياس يقتضي أنَّ له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه ما٣ فعله الجاني به، فيشقَّ ثوبه كما شقَّ ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه إذا كانا متساويين، وهذا من العدل٤. وليس مع من منعه نصٌّ ولا قياس ولا إجماع، فإن هذا ليس بحرام لحقِّ الله، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف. وإذا مكَّنه٥ الشارع أن يُتلِف طرفَه بطرفه فتمكينُه من إتلافِ ماله في مقابلةِ ماله٦ هو أولى وأحرى، وأن حكمة

  1. (١) «المغني» (١١/ ٥٠٩).
  2. (٢) في المطبوع: «القيمة في المثل»!
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «كما».
  4. (٤) ت: «مع العدل»، فكتب بعضهم في الحاشية: «محض» مع علامة «ظ»، يعني أن «مع» تحريف «محض» فيما يظهر له.
  5. (٥) ما عدا س، ت: «أمكنه». وقبله في ت: «فإذا».
  6. (٦) بعده في س، ح، ف: «لف» باللام، فهل هو بعض كلمة «التالف»؟ وفي ع: «كيف».
138

القصاص من التشفِّي ودركِ الغيظ لا تحصل إلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه ويعطيه قيمتها، ولا يشقُّ ذلك عليه لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجنيُّ عليه بغبنه وغيظه، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودركِ ثأره وبردِ قلبه وإذاقةِ الجاني من الأذى ما ذاق هو؟ فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها١ يأبى ذلك.

وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ [١٩٨/أ] عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] يقتضي جواز ذلك.

وقد صرَّح الفقهاء بجواز إحراقِ زروع الكفار وقطعِ أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة. وقد أقرَّ الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه سبحانه يحبُّ خزيَ الجاني الظالم ويشرعه. وإذا جاز تحريقُ متاع الغالِّ لكونه تعدَّى على المسلمين في خيانتهم في شيء٢ من الغنيمة، فلَأن يحرَّق مالُه إذا حرَّق مالَ المسلم المعصوم أولى وأحرى. وإذا شُرعت العقوبة المالية في حقِّ الله الذي مسامحتُه به أكثر من استيفائه، فلَأن تُشرَع في حقِّ العبد الشحيح أولى وأحرى.

ولأن الله سبحانه شرع القصاص زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من

  1. (١) بعده في النسخ المطبوعة زيادة «معًا».
  2. (٢) في النسخ الخطية: «من شيء»، والمثبت من المطبوعة. وانظر في تحريق متاع الغالِّ ما أخرجه أبو داود (٢٧١٤، ٢٧١٥).
139

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي