إعلام الموقعين

القصاص من التشفِّي ودركِ الغيظ لا تحصل إلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه ويعطيه قيمتها، ولا يشقُّ ذلك عليه لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجنيُّ عليه بغبنه وغيظه، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودركِ ثأره وبردِ قلبه وإذاقةِ الجاني من الأذى ما ذاق هو؟ فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها١ يأبى ذلك.

وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ [١٩٨/أ] عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] يقتضي جواز ذلك.

وقد صرَّح الفقهاء بجواز إحراقِ زروع الكفار وقطعِ أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة. وقد أقرَّ الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه سبحانه يحبُّ خزيَ الجاني الظالم ويشرعه. وإذا جاز تحريقُ متاع الغالِّ لكونه تعدَّى على المسلمين في خيانتهم في شيء٢ من الغنيمة، فلَأن يحرَّق مالُه إذا حرَّق مالَ المسلم المعصوم أولى وأحرى. وإذا شُرعت العقوبة المالية في حقِّ الله الذي مسامحتُه به أكثر من استيفائه، فلَأن تُشرَع في حقِّ العبد الشحيح أولى وأحرى.

ولأن الله سبحانه شرع القصاص زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من

  1. (١) بعده في النسخ المطبوعة زيادة «معًا».
  2. (٢) في النسخ الخطية: «من شيء»، والمثبت من المطبوعة. وانظر في تحريق متاع الغالِّ ما أخرجه أبو داود (٢٧١٤، ٢٧١٥).
139

الممكن أن يوجب الدية استدراكًا لظلامة المجنيِّ عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجنيِّ عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف؛ وإلا فمن كان في نفسه من الآخر من قتلِه أو قطعِ طرفِه، قتَلَه أو قطَع طرفَه، وأعطى ديتَه؛ والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك. وهذا بعينه موجود في العدوان على المال.

فإن قيل: فهذا ينجبر١ بأن يعطيَ٢ نظير ما أتلفه عليه.

قيل: إذا رضي المجنيُّ عليه بذلك، فهو كما لو رضي بدية طرفه. فهذا هو محض القياس، وبه قال الأحمدان أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية٣. قال في رواية موسى بن سعيد٤: وصاحب الشقِّ٥ مخيَّر٦، إن شاء شقَّ الثوبَ، وإن شاء مثلَه٧.

المسألة الثالثة: الجناية [١٩٨/ب] على العِرض. فإن كان حرامًا في نفسه كالكذب عليه وقذفِه وسبِّ والديه، فليس له أن يفعل به كما فعل٨ اتفاقًا.

  1. (١) ما عدا س، ع: «يتخير»، وهو تصحيف. وقال ناسخ ف أيضًا في حاشيتها: «لعله ينجبر».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «يعطيه».
  3. (٣) انظر: «جامع المسائل» (٢/ ٢٦٠) و«الإنصاف» (٦/ ١٩٤).
  4. (٤) سبق تخريجها.
  5. (٥) ما عدا ع: «الشيء»، تحريف.
  6. (٦) في النسخ المطبوعة: «يخير».
  7. (٧) هنا أيضًا في النسخ المطبوعة: «أخذ مثلَه»، بزيادة «أخذ».
  8. (٨) زيد بعده: «به» في النسخ المطبوعة.
140

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي