الممكن أن يوجب الدية استدراكًا لظلامة المجنيِّ عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجنيِّ عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف؛ وإلا فمن كان في نفسه من الآخر من قتلِه أو قطعِ طرفِه، قتَلَه أو قطَع طرفَه، وأعطى ديتَه؛ والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك. وهذا بعينه موجود في العدوان على المال.
فإن قيل: فهذا ينجبر١ بأن يعطيَ٢ نظير ما أتلفه عليه.
قيل: إذا رضي المجنيُّ عليه بذلك، فهو كما لو رضي بدية طرفه. فهذا هو محض القياس، وبه قال الأحمدان أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية٣. قال في رواية موسى بن سعيد٤: وصاحب الشقِّ٥ مخيَّر٦، إن شاء شقَّ الثوبَ، وإن شاء مثلَه٧.
المسألة الثالثة: الجناية [١٩٨/ب] على العِرض. فإن كان حرامًا في نفسه كالكذب عليه وقذفِه وسبِّ والديه، فليس له أن يفعل به كما فعل٨ اتفاقًا.
(١) ما عدا س، ع: «يتخير»، وهو تصحيف. وقال ناسخ ف أيضًا في حاشيتها: «لعله ينجبر».
(٧) هنا أيضًا في النسخ المطبوعة: «أخذ مثلَه»، بزيادة «أخذ».
(٨) زيد بعده: «به» في النسخ المطبوعة.
وإن سبَّه في نفسه، أو سخِر منه١، أو هزِئ به، أو بال عليه، أو بصَق عليه، أو دعا عليه= فله أن يفعل به نظيرَ ما فعَل به متحرِّيًا للعدل. وكذلك إذا كسَعه أو صفَعه، فله أن يستوفي منه نظيرَ ما فعَله٢ به سواء. وهذا أقرب إلى الكتاب والميزان وآثار الصحابة من التعزير المخالف للجناية جنسًا ونوعًا وقدرًا وصفةً.
وقد دلَّت السنة الصحيحة الصريحة على ذلك، فلا عبرة بخلاف من خالفها. ففي «صحيح البخاري»٣ أن نساء النبي ﷺ أرسلن زينب بنت جحش إلى رسول الله ﷺ تكلِّمه في شأن عائشة، فأتته، فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشُدْنك العدل في بنت أبي قحافة٤. فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة، وهي قاعدة، فسبَّتها، حتى إنَّ رسول الله ﷺ لَينظر إلى عائشة، هل تتكلَّم. فتكلَّمت عائشة ترُدُّ على زينبَ حتى أسكتتها. قالت: فنظر النبيُّ ﷺ إلى عائشة، وقال: «إنها بنت أبي بكر».
وفي «الصحيحين»٥ هذه القصة قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينبَ بنت جحش زوجَ النبيِّ ﷺ، وهي التي كانت تُساميني في المنزلة عند
(١) في النسخ المطبوعة: «به».
(٢) ع: «فعل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) برقم (٢٥٨١). وأخرجه مسلم (٢٤٤٢).
(٤) نسبتها إلى جدِّها. وكذا في النسخ الخطية و«صحيح مسلم» (٢٤٤٢) و«مسند أحمد» (٢٤٥٧٥) وغيرهما. وفي النسخ المطبوعة: «بنت ابن أبي قحافة» كما في بعض روايات حديث البخاري.