وإن سبَّه في نفسه، أو سخِر منه١، أو هزِئ به، أو بال عليه، أو بصَق عليه، أو دعا عليه= فله أن يفعل به نظيرَ ما فعَل به متحرِّيًا للعدل. وكذلك إذا كسَعه أو صفَعه، فله أن يستوفي منه نظيرَ ما فعَله٢ به سواء. وهذا أقرب إلى الكتاب والميزان وآثار الصحابة من التعزير المخالف للجناية جنسًا ونوعًا وقدرًا وصفةً.
وقد دلَّت السنة الصحيحة الصريحة على ذلك، فلا عبرة بخلاف من خالفها. ففي «صحيح البخاري»٣ أن نساء النبي ﷺ أرسلن زينب بنت جحش إلى رسول الله ﷺ تكلِّمه في شأن عائشة، فأتته، فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشُدْنك العدل في بنت أبي قحافة٤. فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة، وهي قاعدة، فسبَّتها، حتى إنَّ رسول الله ﷺ لَينظر إلى عائشة، هل تتكلَّم. فتكلَّمت عائشة ترُدُّ على زينبَ حتى أسكتتها. قالت: فنظر النبيُّ ﷺ إلى عائشة، وقال: «إنها بنت أبي بكر».
وفي «الصحيحين»٥ هذه القصة قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينبَ بنت جحش زوجَ النبيِّ ﷺ، وهي التي كانت تُساميني في المنزلة عند
(١) في النسخ المطبوعة: «به».
(٢) ع: «فعل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) برقم (٢٥٨١). وأخرجه مسلم (٢٤٤٢).
(٤) نسبتها إلى جدِّها. وكذا في النسخ الخطية و«صحيح مسلم» (٢٤٤٢) و«مسند أحمد» (٢٤٥٧٥) وغيرهما. وفي النسخ المطبوعة: «بنت ابن أبي قحافة» كما في بعض روايات حديث البخاري.
(٥) بل في «صحيح مسلم».
رسول الله ﷺ. فذكرت الحديث، وقالت: ثم وقعت فيَّ، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقُب رسولَ الله ﷺ، وأرقُب طرفَه: هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرَح [١٩٩/أ] زينبُ حتى عرفتُ أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر. فلما وقعتُ بها١ لم أنشَبْها حتى أثخنتُ عليها٢. قالت: فقال رسول الله ﷺ، وتبسَّم: «إنها ابنة أبي بكر». وفي لفظ فيهما٣: «لم أنشَبْها أن أثخنتُها غلبةً».
وقد حكى الله سبحانه عن يوسف الصدِّيق أنه قال لإخوته: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾٤، لما قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾٥[يوسف: ٧٧]، ولم يُبْدِ لهم ذلك للمصلحة التي اقتضت كتمان الحال.
ومن تأمَّل الأحاديث رأى ذلك فيها كثيرًا جدًّا. وبالله التوفيق.
فصل
قالوا: وهذا غيض من فيض، وقطرة من بحر، من تناقض القيَّاسين٦ الآرائيين، وقولهم بالقياس وتركهِم لما هو نظيره من كلِّ وجه أو أولى منه، وخروجِهم في القياس عن موجَب القياس، كما أوجب لهم مخالفةَ السنن
(١) يعني: نلتُ منها.
(٢) أي لم أتركها حتى بالغت في إفحامها. ويروى: «أنحيتُ».
(٣) بل في «صحيح مسلم» وحده.
(٤) زادوا في النسخ المطبوعة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.
(٥) زادوا في النسخ المطبوعة: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ وغيَّروا عبارة المصنف.