إعلام الموقعين

والآثار، كما تقدَّم الإشارة إلى بعض ذلك. فَلْيُوجِدْنا القيَّاسون١ حديثًا واحدًا صحيحًا صريحًا غيرَ منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو تقليد رجل، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا! فإن كان مخالفة القياس ذنبًا٢ فقد أريناهم مخالفته صريحًا. ثم نحن أسعَدُ٣ بمخالفته منهم، لأنا إنما خالفناه للنصوص. وإن كان حقًّا فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال؟

فانظر إلى هذين البحرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما، والحزبين اللذين قد ارتفع في مَعْرَكِ٤ الحرب عَجاجُهما. فجرَّ كلٌّ منهما جيشًا من الحجج لا تقوم له الجبال، وتتضاءل له شجاعة الأبطال، وأدلَى كلٌّ٥ منهما من الكتاب والسنة والآثار بما خضعت له الرقاب، وذلَّت له الصعاب، وانقاد [١٩٩/ب] له علمُ كلِّ عالم، ونفَّذه حكمُ كلِّ حاكم٦. وكان نهاية قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم عنهما ما قالاه، ويحيط علمًا بما أصَّلاه وفصَّلاه. فليعرف الناظر في هذا المقام قدرَه، ولا يتعدَّى طورَه، وليعلم أن وراء سُوَيقِيَته٧ بحارًا طاميةً، وفوق مرتبته في العلم مراتبَ فوق

  1. (١) انظر التعليق السابق. وفي ف: «القائسون».
  2. (٢) هذا في س، ع. ونقطة الباء واضحة في ح أيضًا. وفي غيرهما والنسخ المطبوعة: «دينًا».
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «أسعد الناس».
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: «معترك».
  5. (٥) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه: «وأتى كلُّ واحد»، ولعله تصرُّف من بعض الناشرين.
  6. (٦) في النسخ المطبوعة: «ونفّذ حكمه كل حاكم».
  7. (٧) السُّوَيقِيَة: تصغير الساقية.
143

السُّهى١ عاليةً. فإن وثق من نفسه بأنه من فرسان هذا الميدان، وجملة هؤلاء الأقران، فَلْيجلس مجلسَ الحكم بين الفريقين، ويحكُمْ بما يُرضي الله ورسوله بين هذين الحزبين؛ فإن الدين كلَّه لله، وإنِ الحكم إلا لله. ولا ينفع في هذا المقام: «قاعدةُ المذهب كيتَ وكيتَ»، و«قطع به جمهورٌ من الأصحاب»، و«تحصَّل لنا في المسألة كذا وكذا وجهًا»، و«صحَّح هذا القولَ خمسة عشر، وصحح الآخرَ سبعة». وإن علا نسبُ علمِه قال: «نصَّ عليه»، فانقطع النزاع، ولُزَّ٢

ذلك النصُّ في قَرَن الإجماع. والله المستعان، وعليه التكلان.

فصل

قال المتوسِّطون بين الفريقين: قد ثبت أن الله سبحانه أنزل٣ الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان. وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه. ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح والقياس الصحيح. بل كلُّها

  1. (١) كوكب صغير خفيّ في وسط بنات نعش.
  2. (٢) ع: «ولو»، تصحيف. وفي المطبوع: «ولزم»، ولعله من أخطاء الطبع. والمراد أنَّ نصَّ الإمام جُعِل مع الإجماع في قرَن واحد، كأنهما نِدَّان. يقال للبعيرين إذا قُرِنا في قرَن واحد: قد لُزَّا. ومنه قول جرير:
    وابنُ اللبون إذا ما لُزَّ في قرَنٍ ... لم يستطع صولةَ البُزْل القناعيسِ
    انظر: «ديوانه» (١/ ١٢٥).
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «قد أنزل».
144

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي